قصة غسان كنفاني
كما ترويها زوجته الدنماركية آني
في الذكرى الأولى لرحيل غسان
صباح الاغتيال، جلسنا جميعنا أطول من العادة، نشرب قهوتنا التركية على الشرفة. وكان لدى غسان كما هو دأبه الكثير من الأمور للتحدث عنها، وكنّا كما هو دأبنا دوماً حاضرين للاستماع. وكان يخبرنا ذلك الصباح عن رفاقه في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ثم بدأ يتحدث هو وأخته فايزة عن طفولتهما في فلسطين.
قبل أن يغادر متوجها الى مكتبه، أصلح القطار الكهربائي لابننا فايز ولابنة أخت غسان وأخيها. كان الثلاثة يلعبون داخل المنزل ذلك الصباح. وكان على لميس، ابنة أخت غسان، ان ترافق خالها الى وسط البلد للمرة الأولى منذ وصولها من الكويت بصحبة أمها وإخوتها لأسبوع خلا، فقد كانت تعد العدة لزيارة أقربائها في بيروت. لكنها لم تفلح في الوصول الى هناك أبداً. فما هي إلا دقيقتان على تقبيل غسان ولميس إيانا قبلة <<الى اللقاء>> حتى دوى انفجار مريع.
تطايرت نوافذ البيت جميعها. انحدرت بسرعة، لأجد اشلاء سيارتنا الصغيرة تحترق. وجدنا <<لميس>> على بعد بضعة امتار، ولم نجد غسان. ناديته باسمه، ثم اكتشفت ساقه اليسرى. وقفت مشلولة، فيما راح فايز يضرب برأسه الحائط، ورددت ابنتنا ليلى النداء تلو النداء: <<بابا، بابا..>>.
وبالرغم من ذلك فقد ساورني أمل ضئيل بأنه قد اصيب اصابة خطرة ليس إلا. لكنهم عثروا عليه في الوادي، قريباً من منزلنا، ونقلوه بعيداً عنّا، وفقدت الأمل بأن أراه مرة اخرى.
قعد اسامة قرب جسد أخته الميتة، وقال لها: <<لا تجزعي، يا لميس، ستكونين بخير، وستعلّمينني الانكليزية من جديد..>>.
وفي المساء قالت لي صغيرتنا ليلى: ماما، سألت البابا أن يأخذني معه في السيارة لنشتري شوكولاته، لكنه كان مشغولاً، فأعطاني لوحاً كان يحتفظ به في جيبه. ثم قبلني وطلب مني الرجوع الى المنزل. جلست على درج بيتنا لآكل الشوكولاته، وحصل دوي كبير. لكن، يا ماما، لم تكن تلك غلطة البابا، إن الاسرائيليين هم الذين وضعوا القنبلة في سيارته>>.

أنا ارملة غسان كنفاني واحد من شهداء الثورة الفلسطينية العظام.
وطني الأصلي هو الدنمارك. استطيع ان اذكر بغموض الاحتلال الالماني الذي بدأ في 9 نيسان 1940. فقد انخرط أبي في حركة المقاومة، اسوة بغيره من الرجال والنساء الدنماركيين. وقدّم كثير من المقاتلين الأحرار حياتهم آنذاك، وآل بعضهم الى سجون <<الغستابو>> ومعسكرات التصفية اثناء نضالهم ضد الاحتلال الألماني. وكان الالمان يلقبون المقاتلين الدنماركيين الأحرار ب<<الإرهابيين>>، وهو الافتراء عينه الذي ترمي به القوى المحتلة قاطبة الشعوب المقهورة التي تقاوم الاحتلال وتشرع في النضال من أجل حريتها واستقلالها. بل إن حركة المقاومة الدنماركية كانت قد ساعدت على إنقاذ اليهود أنفسهم من النازيين الألمان.
حين تأسست اسرائيل في 15 ايار 1948، كان الدنماركيون شأنهم في ذلك شأن معظم الشعوب الاخرى في العالم <<المتحضر>> يتحلون بفضيلة الجهل. لقد سمعنا شيئا عن <<اللاجئين العرب>>، غير ان أياً منّا لم يدرك آنذاك ان شعبا بأكمله قد دفع الثمن. وكان عليّ ان انتظر اثنتي عشرة سنة قبل ان أعي وجود شعب فلسطيني طرد من وطنه الأصلي بمعونة القوى العظمى وبشكل أساسي: بمعونة الولايات المتحدة الاميركية وبريطانيا.
في عام 1960 شاركت في مؤتمر عالمي للأساتذة، وشاركت لاحقاً في مؤتمر للطلاب في يوغوسلافيا. وكانت تلك المرة الاولى التي واجهت فيها المشكلة الفلسطينية من خلال لقاءاتي ببعض الطلاب الفلسطينيين. وعند عودتي الى الوطن التحقت ب<<جامعة الشعب العالمية في الدنمارك>> حيث واصلت نقاش تلك المشكلة مع زملائي الطلاب. وسافر بعضنا الى لندن وشارك في مسيرة الدرماستون التي نظمها أنصار نزع الأسلحة النووية بقيادة برتراند راسل. وحين توفي برتراند راسل عن سبعة وتسعين عاماً كان ما يزال يقاتل من أجل العدالة وهذه المرة من أجل الفلسطينيين.

في صيف الدرماستون ذاك، عدت الى يوغوسلافيا بصحبة فرقة فولكلورية دنماركية شهيرة، هي <<تينكلوتي>>، وهي فرقة قد كنت عضواً فيها لسنين عشر. وقد التحق بعضنا بمخيم عمل عالمي حيث التقينا بطلبة اسرائيليين، ثم التقينا في مخيم آخر بطلبة عرب، وتحدثنا عن المشكلة الفلسطينية مع الفريقين كليهما.
في ايلول 1961 ذهبت الى سوريا ولبنان لكي ادرس المشكلة الفلسطينية عن كثب. وفي بيروت، عرفوني الى غسان كنفاني، وكان آنذاك واحداً من محرري المجلة الأسبوعية العربية <<الحرية>>. وكانت المجلة ناطقة باسم <<حركة القوميين العرب>>، وكان غسان محرراً للشؤون الفلسطينية فيها.
حين سألت <<غسان>> ان يأذن لي بزيارة بعض مخيمات اللاجئين، تملكه الصمت. وبعد هنيهة صرخ غاضباً <<او تحسبين أن شعبنا الفلسطيني حيوانات في جنينة حيوانات؟!>>. ثم شرع بالتفسير، فتحدث عن شعبه وعن وطنه، تحدث كيف أن الأمم المتحدة نقضت ميثاقها في 29 تشرين الثاني عام 1947 (1) حين قسمت فلسطين خلافاً لإرادة سكانها العرب (الذين كانوا يشكلون آنذاك ثلثي حجم السكان، وكانوا يملكون أكثر من تسعين بالمئة من الأراضي)، وتحدث كيف أن دولة آسيوية واحدة (في الفيليبين) ودولتين افريقيتين اثنتين (هما ليبيريا وجنوب افريقيا) صوتت لصالح قرار التقسيم، وان الدولتين الأوليين قد مارست الولايات المتحدة عليهما ضغطاً شديداً لحملهما على مثل ذلك التصويت. وعلى هذا النحو، تم زرع دولة اسرائيل الصهيونية الكولونيالية بالقوة في تخوم العالم الثالث الناهض، من غير ان تتلقى اعترافاً طوعياً من اي دولة عربية او آسيوية او افريقية، باستثناء جنوب افريقيا العنصرية.
وتابع غسان يحدثني عن فلسطينه الحبيبة، وعن اضطراره الى مغادرتها عام 1948 بصحبة أهله وأشقائه وشقيقاته الخمسة.

ولد في عكا في 9 نيسان 1936، في بداية الثورة الفلسطينية العربية ضد القوات الصهيونية وسلطة الانتداب البريطاني. وأثناء الثورة، قام الفلسطينيون العرب بإضراب عام لعله يكون الاطول في التاريخ استمر ستة شهور. وحين اخمدت الثورة عام 1939، كان 5032 عربياً قد قتلوا و14760 قد جرحوا، وشنق مئة وعشرة اشخاص على يد السلطات البريطانية.
أخبرني غسان عن الإرهاب الاسرائيلي وكيف أجبر شعبه على هجرة ارضه. وكانت مدينته عكا قد خصصت للسكان العرب، حسب خطة التقسيم التي أرستها الأمم المتحدة. غير ان عكا، أسوة بالكثير من المدن والقرى الفلسطينية، خضعت لاحتلال القوات الصهيونية، وهجر سكانها بالقوة الجسدية والنفسية. وأصيب عرب فلسطين آنذاك بالذعر الشديد بعد مجزرة دير ياسين، القرية المسالمة العزلاء. ويروي جاك دو رينير، ممثل الصليب الأحمر الدولي، في تقرير شاهد عيان ان 254 امرأة وطفلاً وشيخاً قد ذبحوا بوحشية وعن سابق عمد، وقذفت المجموعتان الصهيونيتان الإرهابيتان الايرغون وشتيرن بجثث الكثير منهم الى احدى الآبار. ولقد وصفت السلطات الصهيونية الرسمية تلك المجزرة ب<<الحادث>>. أما الايرغون بزعامة مناحيم بيغن الذي شارك في عدة حكومات اسرائيلية لاحقة وترأس إحداها فقد دعت الى مؤتمر صحافي اعلنت فيه تفاصيل الحدث، في الوقت الذي كان فيه قرويو دير ياسين الأسرى الذين بقوا على قيدة الحياة يستعرضون عراة امام سكان الأحياء اليهودية في القدس لكي يبصقوا عليهم. وقد أفرج عن الأسرى في فترة لاحقة، فغادوا الى بيوتهم ليتحدثوا عن مصائرهم، فيما راحت السيارات المجهزة بمكبرات الصوت تجول في القرى العربية معلنة انه <<إن لم تغادروا بيوتكم، فسوف يكون مصيركم كمصير دير ياسين>>. وكتب مناحيم بيغن: <<إن المجزرة لم تكن مبررة فحسب، بل إن دولة اسرائيل ما كانت لتكون على قيد الحياة لولا الانتصار في دير ياسين>>.(2)
إن تكن هجرة الفلسطينيين خطة مدبرة فهذا أمر اكده العميد غلوب، إذ يروي حواراً دار بين ضابط بريطاني في <<الفيلق العربي الاردني>> ومسؤول يهودي في <<حكومة فلسطين>> في كانون الاول. فقد سأل الضابط البريطاني عما إذا كانت الدولة اليهودية الجديدة ستواجه متاعب داخلية كثيرة نظرا لتساوي عدد السكان العرب فيها بعدد السكان اليهود، فأجاب المسؤول اليهودي: <<آه، لا! سوف ندبر هذا الأمر. إن بضع مجازر محسوبة بدقة سوف تخلصنا منهم>>. (3)
إن اسم <<ليديس>> الفلسطينيين ليس <<ماي لاي>>، بل دير ياسين. وقد وقعت المجرزة في 9 نيسان 1948 وصادف ذلك عيد ميلاد غسان الثاني عشر. ومذاك، لم يحتفل غسان بعيده قط. وفي مثل هذا اليوم من كل سنة، أقف أنا ارملة غسان بخشوع امام أرواح غسان والضحايا الأبرياء الذين سقطوا في مجزرة دير ياسين قبل خمسة وعشرين عاماً. وفي ذلك اليوم بالذات من عام 1940، تم احتلال وطني (الدنمارك) على يد النازيين الألمان.
غادرت عائلة غسان عكا قبيل 15 أيار 1948، وكان حوالى ثمانمئة ألف عربي قد فروا من الإرهاب الصهيوني آنذاك. واستمر العرب في الهجرة، يتقدمهم الاطفال والنساء، فقد بقي الرجال ليدافعوا عن القرى والمدن. وما لبثت يافا وحيفا واللد وغيرها ان <<نظفت>> (والتعبير هو لإيغال ألون) من سكانها العرب.
عندما طردت عائلة غسان من فلسطين، كانت صفر اليدين. وقد اختار الأب ان يبقى في قرية لبنانية صغيرة هي الغازية قريبة من الحدود. فالحال انه أراد ان يكون بين أوائل العائدين الى منازلهم بعد انتهاء القتال، على نحو ما نص قرار الأمم المتحدة بصدد اللاجئين الفلسطينيين (وهو القرار رقم 194، الفقرة الثالثة، الصادر في 11 كانون الأول 1948). ونحن نعلم جميعنا ان مثل هذا القرار لم ينفذ، فقد منعت السلطات الاسرائيلية الفلسطينيين العرب من العودة. لقد أراد الصهاينة الوطن، لا شعبه، وكانت مثل هذا الرغبة كامنة منذ بداية إنشائهم الكيان الصهيوني.

وانتقل ابو غسان مع جميع أفراد عائلته الى قرية جبلية في سوريا تدعى الزبداني. وكانت الحياة هناك قاسية، وكان الجوع والبرد وجبتهم اليومية. وانتقلوا لاحقا الى دمشق، وشرع غسان وأخوه الأكبر بتجميع الكتب أملا بكسب القليل من المال الذي يعينهما على عول عائلتهما المؤلفة من ثمانية اشخاص بالاضافة الى ثمانية اشخاص آخرين يعيشون معهم. وما لبثا ان تابعا دراستهما في مدرسة مسائية بعد أن كانا قد عملا طوال النهار.
كان غسان آنذاك في الثالثة عشرة من عمره، وكانت أخته فايزة (أم لميس) قد حصلت على الشهادة الثانوية، وذهبت عام 1952 الى الكويت حيث صارت واحدة من أوليات المعلمات، وواحدة من الفلسطينيين الكثر الذين أسهموا في نمو الدول العربية بصفتهم اساتذة ومهندسين وأطباء وغير ذلك.
وبعد أن نال غسان شهادة البريفيه في السادسة عشرة من عمره، شرع بالتدريس في مدارس الأونروا. وكان، مع استاذ آخر، مسؤولين عن تعليم ألف ومئتي طفل فلسطيني لاجئ، غير ان هدف غسان الأعظم كان توعية اولئك الاطفال توعية سياسية. ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن، صار سبعون في المئة من تلاميذ غسان في مدارس الأونروا مقاتلين.
قبل ان يلتحق غسان بمدرسة الأونروا، عمل في مطبعة في دمشق. وفي سنة 1955 طلبت منه <<حركة القوميين العرب>> ان يعمل في تحرير جريدتها الرأي وفي طباعتها. وانتسب الى <<الحركة>> في ذلك العام.
وفي العام التالي، لحق بأخته فايزة وأخيه غازي في الكويت. وأرسل ثلاثتهم اكثر رواتبهم الى عائلتهم في دمشق. وهكذا توافر للوالد دخل شهري يعول به بقية أفراد العائلة، وحصل في تلك الفترة كذلك على إذن بالعمل في سلك المحاماة في دمشق، وكان اكثر زبائنه من الفلسطينيين المدقعين. وواصل غسان، خلال السنوات الست اللاحقة التي قضاها في الكويت، نشاطه السياسي. وكان يدرّس الفن والرياضة، ولقد اثبتت تلك السنون انها جزء هام جداً في حياته. فقد قضى معظم اوقات فراغه في الرسم والكتابة والقراءة، وانصبت اكثر قراءاته على السياسة: فقرأ ماركس، وانجلز، ولينين، وغيرهم. وفي عام 1960، اقنع الدكتور جورج حبش <<غسان>> بمغادرة الكويت والمجيء الى بيروت للعمل في الحرية.

منذ الأيام الاولى للقائي بغسان، أحسست بأنني إزاء إنسان غير عادي. وتطورت علاقتنا من خلال القضية الفلسطينية الى علاقة شخصية. ورغم وضعه الذي لا يبعث على الأمان فغسان الفلسطيني لم يكن يملك جواز سفر، ولا مالاً، وكان يعاني فوق ذلك من مرض لا شفاء منه هو السكري ، فإننا ما لبثنا ان اكتشفنا ان الموت وحده سوف يكون قادراً على تفريق الواحد منّا عن الآخر.
وشرعت بالتدريس في روضة للأطفال. وما هو إلا شهر على وصولي الى لبنان حتى تزوجنا ولم يندم اي منّا على ذلك وكان لنا كمعظم الفلسطينيين الآخرين، مصاعبنا، الاقتصادية وغير الاقتصادية. وفي كانون الاول عام 1962 اضحى الوضع السياسي شديد الاهتزاز، فكان على غسان ان يبقى مختبئا في المنزل لفترة تزيد عن الشهر، وذلك لافتقاره الى الأوراق الرسمية. وأثناء هذه الفترة، كتب رواية رجال في الشمس التي طار صيتها في معظم أرجاء العالم العربي، وأهداها إليّ.
ولقد ترجم غسان لي كل رواياته وقصصه اثناء كتابته إياها، وصرت على معرفة كذلك بكتاباته السياسية. وكان دافعه الى الكتابة لا يحد كأن في غسان نبعاً من الكلمات والأفكار يعب منه الصفحة تلو الصفحة عن فلسطين، وطنه، وعن شعبه. وكان دائم الانشغال، كما لو ان الموت يتربص به عند زاوية الشارع. وكان غسان رساماً ومصمماً للرسوم، وكانت احدى لوحاته اثناء تلك الفترة تمثل رجلاً مصلوباً بالزمن...
لقد كنت شديدة التأثر بأفكار غسان، غير انه لم يفرضها أبداً عليّ. وهذا ما ينطبق على اصدقائنا الاجانب الذين اكتشفوا القضية الفلسطينية من خلاله. واهتم الكثير منهم، لاحقاً، بهذه القضية في بلدانهم ذاتها. أما علاقتي بعائلة غسان فقد كانت حميمة، فلقد رحبت بي عائلته منذ البداية بكل ما امتلكت من ضيافة ودفء، وصرت احب أفرادها حباً عظيماً.
استندت حياتنا الزوجية الى الثقة، والاحترام، والحب، ولهذا، فقد كانت على الدوام مهمة، جميلة، قوية. وولد اول صبي لنا في 24 آب 1962 وأسميناه <<فايز>> ومعناه المنتصر تيمنا باسم جده.

وصار غسان أكثر انشغالاً من ذي قبل، وانغمس في عمله انغماساً كلياً. وكان آنذاك قد ترسخ في حقلي الكتابة والصحافة. وفي عام 1963 عُرض عليه منصب رئيس تحرير المحرر، وهي جريدة يومية مثلت وجهات نظر القوى الناصرية والتقدمية. وما لبثت هذه الجريدة ان اصبحت ثاني أكبر جريدة يومية في لبنان، واتسع انتشارها في بلدان عربية اخرى. وعمل غسان فيها سنوات خمساً، وعمل في مجلة فلسطين الاسبوعية التي مثلت وجهة نظر الجناح الفلسطيني في <<حركة القوميين العرب>> وعالجت المسائل الفلسطينية.
خلال عامي 1963 1964، كانت <<حركة القوميين العرب>> في طريق تحولها الى الاشتراكية العلمية، وقررت عام 1964 ان تعد العدة لبدء الكفاح المسلح في فلسطين. وما هي إلا فترة وجيزة حتى تأسست الفرقة المقاتلة الاولى، ولم يكن هدفها اول الامر القيام بعمليات عسكرية، وإنما الاتصال بالعرب المقيمين في <<اسرائيل>> وإنشاء قاعدة للكفاح المسلح القادم.
وما لبثت <<حركة القوميين العرب>> ان قدمت شهداءها الاول في النضال من اجل تحرير فلسطين. ولقد اهدى غسان لاحقاً روايته ما تبقى لكم التي حازت عام 1966 <<جائزة اصدقاء الكتاب في لبنان>> لواحد من اولئك الشهداء، هو خالد الحاج، وكتب غسان في الاهداء: <<الى خالد.. العائد الاول الذي ما يزال يسير>>.
عام 1965 دُعي غسان رسميا لزيارة الصين والهند. وهناك التقى بوزير الخارجية الصيني <<شينغ لي>> وبرئيس الوزراء الهندي شاستري، وبغيرهما من الزعماء السياسيين في كلا البلدين، وناقش المسألة الفلسطينية معهم. ولا شك في ان زيارته تلك قد اثرت فيه تأثيراً عظيماً.
وبعد زيارة غسان الثانية الى الصين، حيث شارك في مؤتمر كتّاب آسيا وافريقيا، كسب فايز ابن الأعوام الاربعة طفلة جميلة، اسميناها <<ليلى>>، تيمنا ببطلة احدى اشهر الروايات الشعبية العربية، و<<ليلى>>، اضافة الى ذلك، اسم اسكاندينافي معروف في اوساط اللابيّين في المنطقة القطبية الشمالية.
أحب غسان طفليه حتى العبادة، وغالبا ما كتب عنهما. وعلى قصر الزمن الذي قضاه معنا، فقد كان يلعب معهما مراراً ويعلمهما اشياء كثيرة. ولقلما فقد اعصابه، ولم يضربهما قط. واتسع سروره برفقتهما ليشمل اصدقاءهما، وغالباً ما قادهم جميعا في سيارته الى السينما او شاركهم ألعابهم في منزلنا.

قبل حرب حزيران 1967 بأسبوع واحد، توفيت أم غسان فجأة في دمشق بعد اصابتها بذبحة قلبية. لكنه لم يذرف دمعة واحدة طوال مأتمها، على صدق حبه العميق لها، بل انه حاول ان يبث العزيمة في أبيه وفي افراد العائلة الآخرين. غير اننا اثناء رجوعنا الى بيروت، انهار غسان، ولأول مرة في حياتي، شاهدت دموعاً في عينيه.
وعندما أعلن الرئيس جمال عبد الناصر استقالته عقب حرب حزيران، وبعد ان فقد الكثيرون الأمل، رفض غسان ان يخضع للاستسلام. لقد كان في اللحظات الدقيقة قوياً بشكل لا يصدق، وكان يحاول ان يعطي شيئا من هذه القوة للآخرين. وكان يعبّر لاحقاً عن مشاعره بالكتابات السياسية والأدبية.
لم يساورني ادنى شك في اي لحظة من اللحظات في ان غسان قد اختار الطريق السليم. ولو انني حاولت ان امنعه من مواصلة نضاله والتزامه السياسيين، لبقي لي زوجي، غير انه ما كان سيكون ذلك الإنسان المرهف الشريف الذي أحببته وأُعجبت به.
حاولت ما في وسعي ان اشارك غسان في نضاله، قمت باتصالات مع اشخاص يعيشون في الغرب ويهتمون بمعرفة حقيقة النضال الفلسطيني. وطلبت مني مجلة دنماركية يسارية ان اكتب مقالة تشرح خلفية فلسطين، وكانت تلك المقالة واحدة من مقالات كثيرة غيرها كتبتها لاحقاً. ومنذ حرب حزيران كتبت المئات من الرسائل الى اصدقاء قدامى وجدد في اسكاندينافيا وغيرها من البلدان. وكانت احدى مراسلاتنا مع الكاتب اليهودي الشهير المعادي للصهيونية موشي مانوحين الذي يسكن في الولايات المتحدة ومؤلف انحطاط اليهودية في زمننا. وقد اعتبرناه صديقا من أصدقائنا الشخصيين.

في خريف 1967، التحق غسان بهيئة تحرير جريدة الأنوار وكانت آنذاك جريدة طليعية ناصرية الاتجاه وأصبح رئيس تحرير ملحقها الأسبوعي. وكان قد بدأ كذلك بالقيام بدور قيادي في النشاطات الاعلامية الفلسطينية وتلك التي تقوم بها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وغدا من المعلوم ان كل جريدة او مجلة يساهم غسان في كتابة مقالاتها وافتتاحياتها يلحقها ارتفاع في مستواها وفي نسبة توزيعها. وراحت السفارة الفرنسية وغيرها من السفارات في بيروت تترجم مقالاته الأسبوعية في الأنوار، لما تتضمن من تحليل سياسي دقيق.
غير ان غسان قرر عام 1969 ان يترك وظيفته الآمنة في الأنوار لكي يبدأ المجلة السياسية الأسبوعية <<الهدف>>، مع ان مثل هذا القرار عنى انخفاضا في الدخل. لكن <<غسان>> لم يعمل لاعتبارات مادية، فقد كان الإلهام الذي يدفعه للكتابة والعمل المتواصلين هو النضال الفلسطيني/ العربي وتحرير فلسطين. وفي تموز 1969 صدرت الأعداد الأولى من الهدف برئاسة تحرير غسان. وكان على يقين ان المجلة سوف تنقل رسالة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والقوى التقدمية الاخرى الى الجماهير العربية والرأي العام العالمي. وكان على حق. فلقد تحولت الهدف في السنتين اللاحقتين الى واحدة من افضل المجلات السياسية الأسبوعية في العالم العربي قاطبة، واقتبس الكثير من كلماتها، وترجم عدد كبير من مقالاتها وافتتاحياتها الى لغات اخرى.
ولقد شارك غسان بصفته منظراً سياسياً في وضع البرامج والبيانات السياسية الصادرة عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وكان يقوم بأكثر عمله في المنزل لكي يكون على مقربة منّا. وصمّم الكثير من ملصقات <<الجبهة الشعبية>>، وكتب الكثير من المقالات في المنزل، حيث كان <<فايز>> و<<ليلى>> عاملين متطوعين سعيدين برؤية أبيهما يرسم ويلون.

واستمر غسان في الكتابة بدون انقطاع، مقدما ل<<الهدف>> الكثير من إسهاماته. وحين اصبح الناطق الرسمي باسم <<الجبهة الشعبية>>، تناقص الوقت الذي كان يكرّسه لي وللاطفال، وهكذا فقد كان الوقت الذي نقضيه معاً ثميناً جداً. ولم تكن لديّ الرغبة في ايقافه عن العمل السياسي. فالحال ان رفاقه كانوا يقدمون حياتهم، يومياً، في النضال، او كانوا يؤولون الى التعذيب في السجون الاسرائيلية. وكان واجبه ان يحكي للعالم عن الثورة الفلسطينية. وحسب كلمات جريدة الدايلي ستار في عددها الصادر في 9 تموز 1972، فإن غسان:
كان المقاتل الذي لم يطلق رصاصة واحدة. كان سلاحه قلماً،
وميدانه صفحات الجرائد. لكنه آذى عدوه اكثر من رتل من المقاتلين.
واثناء اختطاف <<الجبهة الشعبية>> لأربع طائرات غربية، لم نر غسان طوال اكثر من اسبوع. وكانت تلك اكثر فتراته انشغالاً في حياته الفاعلة على صعيد الاعلام. وكان قد عاد من عمان على متن الرحلة الاخيرة الى بيروت، عشية الأهوال الرهيبة التي تعرض لها الشعب الفلسطيني وحركة المقاومة في الاردن.
لئن عجز المئات من المراسلين الاجانب الذين ملأوا مكتب الهدف وقد غدا اسطوريا آنذاك عن اجبار غسان على القيام بحوار معهم، فذلك لأن اجاباته قد كانت على الدورام ثاقبة حادة دقيقة. ولعل السبب الرئيسي لذلك يكمن في ان القضية التي كان يدافع عنها قضية النضال الثوري الفلسطيني قضية عادلة. لقد زارنا الكثير من الصحافيين وغير الصحافيين من اجل محاولة فهم صادق لازمة الشرق الأوسط، وقد عاد كثير منهم إلينا، وبعضهم صاروا من اصدقائنا الشخصيين.
لقد كان غسان واحداً من اولئك الذين قاتلوا بإخلاص في سبيل تحويل حركة المقاومة من حركة تحرر وطني فلسطيني الى حركة قومية عربية ثورية اشتراكية يشكل تحرير فلسطين مكوناً أساسياً فيها. وشدد دائما على ان المشكلة الفلسطينية لن تحل بمعزل عن وضع العالم العربي الاجتماعي والسياسي العام.

وعلى الرغم من احتجاجات نقابات الكتّاب والصحافيين، فقد سجن غسان في تشرين الثاني عام 1971 بسبب مقالة في الهدف تتحدث عن نظام رجعي في بلد عربي معيّن. وسجلت الصحافة اللبنانية احتجاجها على سجن غسان من خلال المقالات والافتتاحيات.
وبسبب مرضه، فقد امضى وقته في مستشفى السجن، وتسنى له مطالعة بعض مسرحيات ستريندبرغ فضلاً عن رواية طويلة للكاتب الايسلندي الحائز جائزة نوبل هالدور لاكسنس. لكن لم يتح لغسان بشكل عام ان يرتاح. فقد كان عليه ان يعمل، فكتب جزءاً من روايته الطويلة غير المكتملة التي تحكي عن فلسطين. هذه الرواية <<العاشق>> التي كان يريد ان يكتب فيها عن تاريخ النضال الفلسطيني منذ بداياته ضد السلطات البريطانية والقوات الصهيونية حتى النضال الثوري الراهن من اجل تحرير فلسطين قد كانت في باله سنوات متعددة. ولقد اجرى مقابلات مع فلسطينيين من جميع انحاء فلسطين، في المخيمات وفي غير المخيمات، وقابل المقاتلين الذين شاركوا في الثورة الفلسطينية بين عامي 1936 و1939 والذين لا يزالون يقاتلون. وكان ينوي ان ينتهي من كتابة العاشق خلال صيف 1972. وقد نشر جزء منها. وحسب القراء، فإنها عمل قوي ومؤثر.
وكان الى جانب الكتابة، يرسم كثيراً، ويرسم الجياد اكثر ما يرسم. ولعب الحصان دوراً هاماً في بعض قصصه ورواياته. كان يقول إن الحصان بالنسبة لنا نحن العرب يرمز الى الجمال والشجاعة والأمانة والذكاء والصدق والحرية. وبالنسبة لي، فقد حاز غسان كل تلك المزايا. أما جياده التي رسم اكثر من عشرين منها في الاعوام الاخيرة التي سبقت رحيله فهي معلقة الآن على جدران بيوت عائلتنا وأصدقائنا في اسكندينافيا والبلدان العربية، وعلى جدران بيوت الحراس والأطباء والممرضات الذين تعرّف عليهم في مستشفى السجن.
لقد سار انتاج غسان الأدبي جنبا الى جنب مع نشاطاته الصحافية والسياسية. وكان قبل موته بزمن طويل يعتبر من بين افضل الكتّاب العرب والفلسطينيين. وكان في العادة يبني القصة او الرواية او المسرحية في ذهنه، ثم يكتبها كلها في زمن قصير، مضيفا إليها تصحيحات قليلة في ما بعد. وكانت جميع مخطوطاته مكتوبة باليد، ولم يصوّر قط أياً منها.

في لبنان والعالم العربي بشكل عام، يمنع المرء من مساءلة الدين والمذهبية، لكن غسان في مسرحية الباب قام بمثل تلك المساءلة من خلال مغزى عربي ما ورائي يعنى بالدين والوجودية. وبالمناسبة، فإنه على الرغم من كونه مسلماً ومن كوني مسيحية، فإن هذا الاختلاف في مذهبينا لم يشكل عائقا في علاقتنا، لكوننا قد تبنينا وجهة نظر واحدة في الدين. وفي عام 1964 ترجمت الباب الى الفرنسية ونشرت في المجلة الأدبية L'Orient الصادرة في باريس.
تجلى حب غسان للاطفال في مجموعته القصصية عالمٌ ليس لنا (1965). وقد أهداها ل<<فايز وليلى>>. وفي العام ذاته نشر أدب المقاومة في فلسطين المحتلة، وقد كانت تلك المرة الاولى التي كشفت للعالم العربي وجود شعراء فلسطينيين عرب مصممين واقوياء في <<اسرائيل>>. من بين هؤلاء الشعراء الذين عرّف الكتاب بهم: محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد، وغيرهم ممن اشتهروا لاحقاً في العالم العربي وبلدان اخرى.
عام 1969 كتب غسان أم سعد. وأم سعد صديقة عزيزة وقديمة، وكانت ترمز بالنسبة لغسان الى المرأة الفلسطينية في المخيم والى الطبقة العاملة. والكتاب يتحدث عنها ويتحدث مباشرة الى الناس الذين تمثلهم. وفي الحوار الذي يجري بينه وبين أم سعد، تكون المرأة الأمية هي التي تتحدث، في حين يستمع المثقف ويطرح الاسئلة.
نضج غسان على الصعيد الماركسي اول ما نضج من خلال انتاجه الأدبي. وأم سعد قد كتبها روائي ماركسي، غير انه كان قد نما ايديولوجيا منذ بدايات مجلة فلسطين. فما إن حلت سنواته الاخيرة حتى كان قد غدا محللاً ماركسياً كذلك.
وحملت سنة 1970 روايته الاخيرة <<عائد الى حيفا>>، لكنه ترك وراءه روايتين غير منجزتين ومسرحية غير منشورة. مما لا شك فيه ان <<غسان>> قد كان كاتباً موهوباً جداً، وهذا ما أقر به العالم العربي، وإني على يقين ان بقية بلدان العالم سوف توسع من إطار ذلك الاعتراف يوماً من الأيام.

لقد قتلوه حين كان لا يزال ينمو، وكان خطره عليهم صحافياً وناطقاً رسمياً وفناناً وإنساناً اكبر من ان يتحملوا وجوده.
لقد كتبت الدايلي ستار في ملحقها يوم 16 تموز 1972 تقول: <<استخدمت اسرائيل الهجوم على مطار اللد ذريعة لكي تخلق من غسان صورة للرجل المسؤول عن ذلك الهجوم، في حين ان مجال عمل كنفاني داخل الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين لم يكن ليجعله اكثر تورطاً في مثل هذه الاعمال من القادة الآخرين. إن ما حرّض الاسرائيليين على عملهم حقيقتان: أولاهما انه كان هدفا اسهل، وثانيتهما انهم كانوا سيتجاوزون تبرير اغتياله امام العالم الخارجي الى الظهور وكأنهم قد نجحوا في الثأر لهجوم اللد>>. وعلقت الجريدة كذلك بالقول إن الصحافة الغربية ولا سيما دي هامبورغر تسايتونغ ولاستامبا، والدايلي مايل قد ساعدت على تنفيذ خطة الاسرائيليين بنشرها اخباراً ملفقة عن تورط غسان في هجوم اللد، وبذلك تتحمل تلك الصحافة مسؤولية ما عما حدث.
ولكن لماذا كان ينبغي عليهم ان يقتلوا غسان بمثل هذه الطريقة؟ <<لقد كان اشبه بجبل، والجبل لا يدمره إلا الديناميت>>، هذا ما كتبته صحيفة بيروتية عنه.
عقب الاغتيال بساعة واحدة فقط أذاع راديو اسرائيل ان الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين قد قتل، مع زوجته، بعد انفجار سيارتهما بقنبلة موقوتة.
هل راقبنا القتلة زمناً طويلاً؟ هل علموا انني كنت معتادة على الذهاب الى وسط المدينة مع زوجي كل يوم سبت؟ لقد كنت اعمل طوال الاسبوع في مدرسة للاطفال المتخلفين عقلياً، وكان ذلك السبت هو السبت الوحيد الذي لم اذهب فيه مع غسان الى العاصمة. هل لاحظ القتلة ان المرأب قد كان ملعباً لجميع اطفال البناية؟ كان الاطفال قد غادروه قبيل الانفجار. ولو ان السيارة انفجرت داخل المرأب لدُمر جزء من البناية دماراً كلياً.
أنا اليوم ارملة لما يقرب العام. إن المساعدة المعنوية العظيمة التي جاءتني من عائلتنا، ومن حركة المقاومة الفلسطينية، ومن جيراننا، ومن اصدقائنا المعروفين وغير المعروفين المنتشرين في انحاء العالم، قد ساعدتني خلال هذه الفترة. انه لا يزال من المستحيل ان اصدّق، او ان يصدّق الاطفال، ان حبيبنا غسان وعزيزتنا لميس ليسا معنا الآن.

حدث الاغتيال صباح السبت في الثامن من تموز. قبله بيوم واحد، اصطحبنا غسان أنا وفايز ولميس والاطفال الى شاطئ البحر. كنّا ثمانية في السيارة. وكان من الممكن لحادث التفجير ان يحصل آنذاك.. تلك العشية، وصل الى البيت باكراً، وهو ما كان قد فعله طوال اسبوعين كاملين.
إن حب الحياة يحتم العنف. لم يكن غسان من دعاة اللاعنف على غير طائل. لقد قتل في قلب الصراع، كما قتل من قبل كارل ليبكنخت، وروزا لوكسمبورغ، وأرنست ثالمان، ولومومبا، وتشي غيفارا. ومثلما احب هؤلاء الحياة، احبها هو. ومثلهم، رأى حتمية العنف الثوري في الدفاع عن النفس ضد قهر الطبقات المستغلة. وبالرغم من التهديدات المتكررة التي تعرّض لها فإنه لم يقهر.
لقد اجبرت حركة التحرير الفلسطينية على الرد على العنف بالعنف، ضحت بأرواحها في صراع غير متكافئ وأجبرت على مواجهة الموت كل يوم. وحين سأل مراسل غربي <<غسان>> قبيل استشهاده عمّا اذا كان الموت يعني شيئا بالنسبة له، اجاب:
<<بالطبع. إن الموت يعني الكثير بالنسبة لي. المهم ان نعرف لماذا. التضحية بالنفس في اطار الفعل الثوري تعبير عن الفهم الاسمى للحياة وللصراع من اجل جعل الحياة مكاناً جديراً بالإنسان. إن حب المرء للحياة يصبح ضمن ذلك الاطار حباً لحياة جماهير شعبه، ورفضا لأن تستمر حياة هذه الجماهير مليئة بالبؤس والمعاناة والشدة المستمرة. وهكذا يغدو فهمه للحياة فضيلة اجتماعية، قادرة على اقناع المقاتل الملتزم بأن التضحية بالنفس خلاص لحياة الشعب. إن مثل هذه التضحية لهي التعبير الاقصى عن التعلق بالحياة>>.

كثيراً ما نزور ضريحي غسان ولميس. انهما مدفونان في ظلال الشجر، والأرض جافة وحمراء كتربة فلسطين التي طرد منها شعبهما. لقد كان على غسان ان يدفع ثمن نضاله من اجل ان يعطي الشعب الفلسطيني احتمال العودة الى بيوته في فلسطين وكانت حياته ذلك الثمن. احبه الشعب، فلقد عبر عن آمالهم وأحلامهم، وأثبت لهم ان الحياة قد تختلف عن بؤس مخيمات اللاجئين.
إن عشرات الألوف الذين لحقوا بغسان الى قبره في اكبر تظاهرة شعبية منذ موت الرئيس عبد الناصر، قد كانوا من العمال، والفلاحين، والمثقفين، واللاجئين من ابناء المخيمات، واعضاء من فصائل المقاومة الفلسطينية، وممثلين عن معظم الاحزاب السياسية وأنشطة الحياة العامة. إنهم عينهم الذين اندفعوا بالمئات الى منزلنا الكائن في ضاحية خلال الايام التي اعقبت الاغتيال. العمال، المثقفون، الفنانون المعروفون، وممثلو الاحزاب السياسية في جميع انحاء العالم، عبّروا جميعهم عن تعاطفهم مع حركة التحرر ومع عائلته، ووعدوا جميعهم في الوقت نفسه بمواصلة النضال الذي افنى غسان حياته في سبيله.

أحياناً اقضي الصباح في الحديقة الصغيرة التي كان غسان يفخر بها. وأذكر كيف جاء حسين، أبو لميس، سعيداً تلك الأمسية من ذات يوم سبت من اجل ان يخبر ابنته انها قد قبلت في كلية الطب في عمان وان من الممكن ان تلتحق بها بعد انتهاء عطلة الصيف. عندما وصل، كانت ابنته قد ماتت. الآن، حين يتحدث والدا لميس عن ابنتهما وعن غسان، تلتمتع اعينهما وتقوى اصواتهما. فإنه يهمهما ان يعرف الآخرون عن لميس وغسان، عن حياتيهما، عن آمالهما التي يتعلق بها الشعب الفلسطيني اجمع رغم تبعثره في اربع رياح العالم.
لقد بدأت نشاطات غسان الأدبية في الحقيقة بكتاب صغير اهداه الى لميس. كانت لميس طيلة حياته عروس شعره، ولقد قتلا، ذلك السبت، بعد سبعة عشر عاماً، بالقنبلة ذاتها. وحين حاولت، بعد المأتم، ان أواسي <<حسين>> قال: <<لقد احبت غسان على الدوام وكان موتها معه هديتها إليه>>. كان غسان يرسل بكتاب الى لميس كل عام تقريباً، ولا يكتبه إلا لها. وكانت كتبه هذه مكتوبة باليد، ومقرونة برسوم توضيحية من رسومه هو.
ولئن كان لغسان الكثير من الأعداء السياسيين فإنه لم يكن لديه اعداء شخصيون. بل على العكس من ذلك، فقد كان محبوباً ومحترماً من قبل اولئك الذين اختلف معهم بالذات. وغالباً ما التقى اعداؤه به، ولحقوا به الى المقبرة، واستقبلتهم في منزلنا حين جاؤوا ليعربوا عن تعاطفهم معنا.
لقد أمل قتلة غسان نشر الاستسلام في صفوف اللاجئين الفلسطينيين وأملوا شق حركة المقاومة الفلسطينية. لكنهم لم .يحصدوا إلا النقيض. فلقد فهم الناس عظمة غسان، وأحبوه، وأظهروا حبهم هذا برص صفوفهم بعضها الى بعض