حوار مع فاروق غندور
سرتْ في صوتي رعشة خفية حين ردت أني كنفاني على الهاتف. امرأة دنماركية، قدمت الى بيروت، وتزوجت فلسطينياً، واستمرت بعد موته في خدمة الأطفال الفلسطينيين واللبنانين في مخيمات اللاجئين في بيروت وصيدا. أوتكون أسطورة، هذه المرأة الدنماركية التي أحسب أنها شقراء؟ أيعقل أن تترك امرأة غربها الجميل الأشقر الفرح وتلجأ الى شرقنا الذي يهرب منه أكثر أبناء جيلي متى توفرت لهم أسباب الهرب؟ أيعقل أن تعيش عشرين عاماً في هذه الأرض الفقيرة بعد أن رحل عنها أعز من تملك: زوجها وأستاذها وحبيبها غسان كنفاني؟
حين صعدت الى البناية التي تقطن فيها آني، تدفقت في رأسي شخصيات غسان كنفاني الروائية، وتلاحقت أحداث رواياته وارتطم واحدها بالآخر. لكن صورة <<سعيد س.>> بطل رواية عائد الى حيفا طغت على كل ما عداها. حتى إذا ما فتحت لي الباب آني، الشقراء، الزرقاء العينين، كان أول ما فتشت عنه ريشات الطاووس الخمس التي تركها <<سعيد س.>> في منزله في حيفا حين طُرد منه عام 1948 وعاد إليه بعد عشرين سنة ليجده محتلاً من قبل عائلة يهودية، وليجد ريشاته الأثيرة ناقصة. وكان ثاني ما فتشت عنه صورة الشهيد <<بدر اللبدة>> أخي <<فارس اللبدة>> وهي صورة احتفظ بها مواطن عربي آخر استأجر بيت <<فارس>> عقب احتلال البلدة.
لم أجد الريشات، ولم أجد صورة بدر اللبدة. لكن غسان كنفاني كان في جميع جنبات منزل آني كنفاني. ففي مواجهتي مكتبة صفت عليها آني كتبه وكتبها، وفي وسط المكتبة صورة له، وأخرى له ولها حين كانا لا يزالان يعيشان أطوار حبهما الأولى. وقرب هذه الصورة تربعت صور أخرى ل<<أم سعد>>، صديقة غسان وآني، ورمز <<الطبقة الفلسطينية التي دفعت غاليا ثمن الهزيمة (عام 67)... والتي تظل تدفع أكثر من الجميع>>(1). وعلى يساري، رأيت صورة لغسان و<<لميس>> ابنة أخته التي استشهدت معه في انفجار سيارته تلك الصبيحة المشؤومة من تموز عام 1972؛ <<لميس>> الجميلة التي كان غسان يهديها كل عام كتابا يجترحه من أعصابه وآماله الجميلة. ونظرت فوقي، فطالعني حصان غسان كنفاني برسمه سائرا في ثباته المعهود وسط الهجيرة البرتقالية.
آني، يا آني، لكم أنهكتك سنون البعد عن الحبيب، ولكم أثقلتك المجازر التي حلت بشعبك الفلسطيني أنت الدنماركية التي أثبتِّ، بصمودك في بيروت عشرين عاما بعد رحيل غسان، وبإشرافك على مؤسسات تعليم اللاجئين الفلسطينيين ورعايتهم، قول <<سعيد س.>> ومن ورائه غسان كنفاني نفسه، إن <<الإنسان قضية>>، وإن فلسطين:
... أكثر من ذاكرة، أكثر من ريشة طاووس، أكثر من ولد، (هل نضيف: أكثر من زوج؟)، أكثر من خرابيش قلم رصاص على جدار السلم.. لقد أخطأنا حين اعتبرنا أن الوطن هو الماضي فقط. أما خالد (ابن سعيد س.) فالوطن عنده هو المستقبل. وهكذا كان الافتراق، وهكذا أراد خالد أن يحمل السلاح...(2)
وأثبتّ، بصمودك ونضالك، قولاً آخر لغسان: إننا حين نقف مع الإنسان، فذلك شيء لا علاقة له بالدم واللحم وتذاكر الهوية وجوازات السفر(3).
 لا يعرف العرب الكثير عن آني كنفاني. لقد تحدثت في كتابك عن التحاق أبيك بحركة المقاومة الدنماركية في مواجهة النازية التي احتلت الدنمارك. هل بإمكانك أن تحدثينا عن خلفيتك العائلية، عن توجهاتك السياسية، وعن نشاطاتك الطلابية؟
كان جدي من أوائل الثوريين، ومن أوائل الديموقراطيين الاشتراكيين في الدنمارك. وكان أبي نجارا، التحق بداية حياته بالحزب الشيوعي الدنماركي، وعمل طويلا في خدمة الفقراء وفي سبيل تطوير أوضاع العمال في المجتمع والحزب ونقابات العمال. وقاتل، مع رفاقه، ضد الاحتلال النازي الذي احتل الدنمارك.
أما عن وضعي الشخصي، فأنا لم أكن منخرطة انخراطا مباشرا في العمل السياسي. لقد شاركت مثلا في التظاهرات المطالبة بالحد من استشراء الأسلحة النووية، والمطالبة بالسلم، وغير ذلك من النشاطات التي تكثفت إبان مرحلة <<الحرب الباردة>> منذ منتصف الخمسينيات. وقد كنت تلميذة، ثم صرت معلمة. وكنت نشطة في حقل العمل الاجتماعي الثقافي، كالفولكلور والموسيقى الشعبية، وسافرت بصحبة فريق متخصص في هذا الحقل الى عدة بلدان في أوروبا. وذهبت في إحدى رحلاتي تلك الى يوغوسلافيا حيث واجهت للمرة الأولى قضية الشعب الفلسطيني.
وُلدت أثناء الحرب، ولا أزال أذكر بعض أحداثها. كان على عائلتي أن تغطي النوافذ أثناء الليل كي لا تنكشف البيوت زمن الاحتلال النازي. وتدفق المهاجرون الألمان وغير الألمان الى الدنمارك. وكانت ثمة امرأة مهاجرة تعيش سرا معنا؛ لم نخبر أحدا بأمرها. وكنا نعيش في بيت صغير. وذات يوم اختفت هذه المرأة، وظننت أنها قد ارتحلت الى السويد شأنها شأن عدد من المهاجرين واللاجئين السياسيين الآخرين إبان الغزو النازي. وكان ثمة إشارة سرية/ إنذار لأبي، عبارة عن زهرة معينة نضعها عند شباك بيتنا؛ وكانت مثل هذه الإشارة تعني أن عليه ألا يدخل البيت بل أن يواصل طريقه على دراجته، لأن ذلك يعني أن الألمان يراقبونه.
كان والداي من الناس الأصيلين الكرماء. خلال الثورة الأهلية الإسبانية التي اندلعت بين عامي 1936 و1939 وهي الفترة التي صادفت كذلك اندلاع الإضراب الشهير في فلسطين كانت أمي وكثيرات غيرها من النسوة الدنماركيات تجمع الثياب أو تصلحها وترسلها الى القوى التقدمية في إسبانيا.
 لا شك في أن أفراد عائلتك وأباك الشيوعي بشكل خاص قد تعاطفوا مع اليهود الذين اضطهدهم الألمان النازيون، على نحو ما اضطهد هؤلاء الشيوعيين والتقدميين الآخرين كذلك.
بالضبط!
 هل أحسست في يوغوسلافيا، حين واجهت مأساة الشعب الفلسطيني للمرة الأولى في حياتك، بالصدمة؛ صدمة أن يكون جلادو هذا الشعب هم أنفسهم أولئك الذين جلدهم النازيون، وهم أنفسهم أولئك الذين تعاطفت أنت وتعاطف أبوك وأمك معهم سنين طويلة؟
حين أعلن عن إنشاء دولة إسرائيل عام 1948، كان أكثر الناس في بلدي فرحين. فقد أتيح أخيرا لليهود المضطهدين مكان آمن. ولم يعرف أكثر الناس آنذاك أو أنهم لم يفكروا بأن ثمة شعبا آخر يحيا هناك، في فلسطين. وحين قال لي طالبان في <<دوبرفنيك>> في يوغوسلافيا أثناء حضوري مؤتمرا للطلاب إنهما فلسطينيان، قلت: <<أوه! جيد! إنني أعرف شيئا عن الرقص الشعبي الإسرائيلي!>>. عندها، نظرا إليّ وطلبا مني الجلوس والتحدث إليهما، وأخبراني عن المأساة الفلسطينية. فتملكني الغضب الشديد، لأنه كان قد مضى حوالى ثلاثين عاما على نشأة تلك المأساة من غير أن أعرف عنها شيئا! وتساءلت: إذا كان هذا شأني أنا القادمة من عائلة تقدمية فماذا يكون شأن الآخرين؟
 هل طرح مثل هذا التساؤل في ذهنك آنذاك تساؤلا آخر عن طبيعة القوى اليسارية التقدمية في وطنك وفي أوروبا بشكل عام تلك القوى التي تحدثت على الدوام عن التضامن الأممي ودعم الشعوب المقهورة؟
نعم. لكن لا تنس أننا نتحدث عن مرحلة الستينيات. كان الشيوعيون واليهود آنذاك مضطهدين سواء بسواء. وكان الكثير من الشيوعيين يهودا. غير أن الدنماركيين لم يكونوا يعلمون شيئا عن الفلسطينيين. فقد كان الإسرائيليون مهيمنين على الصحافة آنذاك؛ بل إنهم لا يزالون كذلك حتى اليوم، وها هو رئيس تحرير واحدة من كبريات الجرائد الدنماركية مواطن إسرائيلي الى جانب كونه مواطنا دانماركيا! وحين عدت من يوغوسلافيا وأخبرت والدي بما سمعته من الفلسطينيين، دهش واعترف بأنه لم يكن يعلم شيئا من ذلك القبيل. وحين طرحت هذا الموضوع أمام الطلاب والأساتذة، لم يعلم إلا أستاذ مهاجر واحد بما كنت أقوله، رغم أن بعض الطلاب أبدوا اهتماما بالموضوع. وتساءلت مرة أخرى: <<كيف استطاع العالم أن يتدبر أمر دفن القضية الفلسطينية ثلاثين سنة بأكملها؟!>>. إن الشعب الدنماركي لم يتجاهل القضية، وإنما عتم عليه الإعلام تعتيما تاما.
 ما كان انطباعك الأول عن الفلسطينيين اللذين قابلتهما؟
كانا منطقيين. لم يخبراني عن مشروعهما السياسي فقد كان لقائي بهما في أول الستينيات، أي قبل أن يختمر مشروع دولة علمانية ديموقراطية في فلسطين لكنهما شرحا لي ما حدث لوطنهما. ثم ذهبت الى سوريا ولبنان عام 1961 وتعرفت بطريقة أفضل على المشكلة الفلسطينية. وكتبت مقالة، بعد زواجي بغسان بعامين، نشرتها في الدنمارك، وصار أهلي أكثر تفهماً للقضية الفلسطينية، وحين ذهب غسان الى الدنمارك عام 1964 تحسن الوضع تحسنا ملحوظا، وكتب أبي عدة مقالات وصار أخي جزءا من الحركة المؤيدة للفلسطينيين. وتطور الوضع بعد هزيمة 1967، ويمكن القول إن جزءا يسيرا كان يكتب في الصحافة الدنماركية عن فلسطين قبل ذلك الزمن.
 لا شك في أن الدنماركيين والعرب هنا قد طرحوا عليك أو كان بودهم أن يطرحوا عليك سؤالا شبيها بالتالي: لماذا تتخلى طالبة وأستاذة دنماركية عن وطنها الأصلي وتعتنق وطنا آخر لا يوجد إلا في الماضي وفي الأحلام والأماني؟
قد يكون لخلفيتي العائلية والطبقية (فقد كان أبي، على ما أسلفت، ثوريا وابن طبقة عاملة) دخل في توجهاتي السياسية الجديدة. بالطبع ثمة قضايا في الدنمارك أهل لأن يناضل المرء من أجل تحقيقها. ولكن القدر، ربما، قد دفعني الى المجيء الى هنا.
ولا شك في أن المشكلة الفلسطينية مختلفة نوعا ما عن غيرها من المشكلات العالمية. فليس ثمة شعب طرد بأكمله من أرضه وهجر الى بلاد أخرى. لكن أبي ناضل ضد النازيين، والإسبان ناضلوا ضد فرانكو، ثمة نضال من أجل إحقاق حقوق الأطفال في أن يكون لهم مأوى وكساء وتعليم وغذاء في العالم أجمع.
 أنتقل الى غسان كنفاني. التقيته في أيلول عام 1961 في بيروت وكان آنذاك محررا في الحرية الناطقة بلسان حركة القوميين العرب. هل تذكرين لنا بعض تفاصيل لقائكما الأول؟
(شعت عينا آني لحظة، ثم خمدتا، وعادتا الى الإشعاع، قبل أن تضيف:)
جئت من يوغوسلافيا الى دمشق، وفي نيتي أن أذهب بعد ذلك الى بيروت ومصر. وكان لغسان أصدقاء أعطوني رسالة لكي أحملها له الى بيروت، فيعينني كذلك على الدخول الى المخيمات الفلسطينية. وحين أخبرت غسان بمرادي غضب، وقال إنني لا أوافق على أن تشاهدي مخيمات اللاجئين قبل أن تعرفي أكثر عن المسألة كلها...
 ماذا شعرت إذاك؟
كنت قبل جواب غسان متحمسة لرؤية المخيمات. لكني لم أحس بالإهانة بعد جوابه.
 وبعد ذلك؟
تزوجنا في تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1961. وولد فايز في العام التالي.. وصار غسان رئيس تحرير المحرر، وكان عمر فايز آنذاك عاما ونصف العام. كان غسان يعمل كثيرا، بل إنه كان يتابع عمليات طبع الجريدة نفسها! وتحولت المحرر الى ثاني أكبر جريدة لبنانية حين كان غسان يرأس تحريرها.
وكتب غسان في الحوادث أيضا، وفي الأنوار تحت اسم مستعار هو <<فارس فارس>>.
 هل قال لك لماذا كان يستخدم اسما مستعارا؟
الحقيقة أن مجمل ما كتبه بهذا الاسم عبارة عن مراجعات كتب، ونقد اجتماعي. ربما كان ذلك طريقه للكتابة بأسلوب آخر غير ذاك الذي استخدمه في رواياته وقصصه ومقالاته السياسية. ولم يكن تغيير اسمه لأي دواع سياسية.
 وكيف عشتما بعد ذلك؟
سكنا في شقة في شارع الحمراء ببيروت. وفي بداية عام 1962 حصلت محاولة انقلاب في لبنان. ولم تكن لديه أوراق رسمية، فلازم البيت وكتب رجال في الشمس.
 ولكن قبل أن نتحدث عن رجال في الشمس، هل باستطاعتك أن تذكري لنا كيف عرض عليك الزواج؟
بالطبع!
 نستطيع أن نلغي هذا السؤال إن شئت!
لا! لا أمانع! لقد دعاني الى العشاء بعد أسبوعين على لقائنا، وكان ذلك في مقهى الغلاييني. وجلس. وقال: قبل أن نغادر هذا المقهى، عليك أن تجيبي عن سؤالي: <<هل تتزوجينني>>؟. ثم أردف قائلا: <<لكني فقير، لا مال لي، لا هوية، أعمل في السياسة، لا أمان، لي، وأنا مصاب بالسكري>>.
هل كنت تضحكين؟
(ضحكت آني، وأشعت من جديد، وقالت): كنت أستمع الى كل تلك <<النقاط السود>>. ثم قلت له: <<عليّ أن أفكر بعرضك>>. وكنا نصعد الدرج المفضي الى فناء المقهى، لكني قبل أن أصل الى الدرجة العليا قلت: <<نعم، سأتزوجك!>>.
وأذكر أننا ذهبنا الى مقهى <<الدولتشي فيتا>>، وشاهدنا بعض الأصدقاء القدامى، وأخبرناهم بقرارنا. وتحمس وضاح فارس، ولا سيما حين علم بأننا سوف نقيم احتفالا بالمناسبة! (ضحك).
 هل حاول أصدقاء غسان الفلسطينيون ثنيه عن الزواج بأجنبية؟
منذ الأيام الأولى لوصولي الى بيروت، التقيت بأصدقاء غسان من <<النادي الثقافي العربي>>. ولم يثنه أحد على الإطلاق. هذا حسب علمي على الأقل.
 وهل التقيت به بشكل مكثف على امتداد الأسبوعين اللذين سبقا زواجكما؟
نعم. كنا نلتقي يوميا. وذات يوم قالت لي زوجة أخي ان أكثر صديقاتي قد تزوجن. وكنت يومها في الخامسة والعشرين من عمري.
 وهل ثناك أحد من عائلتك عن الزواج بأجنبي؟
لم يتح لأحد الوقت لمثل هذا الثني! غير أن أمي كانت شديدة الحزن في البداية. وبعثت لأهلي بدعوات لحضور عرسي. لكن صدمتهم كانت أعظم من أن يتماسكوا! غير أن أخويّ الأكبرين قالا لوالدي: <<لا تقلقا! آني فتاة ناضجة وتعرف ما تصنع>>.
لكني علمت في ما بعد أن زواجي كان صدمة لأمي. كانت فكرة جيلهم عن <<العربي>> تتلخص في أنه يتزوج من أربع نساء، الى ما هنالك من خرافات.
(وهنا ألحت آني على العودة بذاكرتها الى ما قبل زواجها بغسان)
أذكر الآن أنه عند قدومي الى دمشق قبل الزواج من يوغوسلافيا، رحت أفتش عن مركز الاتحاد العام لطلبة فلسطين. وما إن نزلت من السيارة حتى نظرت حولي، فلم أعثر على شيء حي. وفجأة وجدت سيارة ذات لوحة دانماركية! فعزمت على المكوث قرب السيارة لحين وصول صاحبها.
وإذا بصاحبها طبيب دنماركي يعمل في <<الفاو>>. فأخبرته بحالي، فعرض عليّ نقلي في سيارته الى حيث ينزل في أحد الفنادق، على أن نتناول طعام الغداء معا، ثم يريني بعض شوارع دمشق. كانا إنسانا طيبا. ثم قال لي: <<غدا، عليك أن تذهبي الى سفارة الدنمارك، ومن ثم عليك أن تعودي أدراجك الى الدنمارك!!>> لكني أقمت بضعة أيام في منزل في دمشق للطلاب العرب، قبل أن أذهب الى بيروت وأتزوج غسان. وبعد مدة، كتبت الى ذلك الدنماركي، وقلت له إني لم أعد الى الدنمارك وإني سوف أتزوج ههنا في بيروت!
لقد عاملني أصدقاء غسان وعائلته (عمته، أخته...) بحميمية. وكنا نعيش، أنا وغسان، في بناية حيث صيدلية المدينة في الحمراء.
 ما كان موقف غسان من المراسلين الأجانب والمراسلات الأجنبيات؟
كان غسان يقابل العشرات من هؤلاء، ولا سيما حين أصبح الناطق الرسمي باسم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. وكان يتوقع أن يكون بعضهم ساذجا، أو راغبا في التعاطف الزائف مع الشعب الفلسطيني، أو جاسوسا. لكن غسان امتلك قدرة فائقة على الإقناع، وتحوّل مكتب الهدف الى <<خلية نحل>> للمراسلين. ولم يكن له أعداء حتى بين أولئك المراسلين الذين كانوا يعادون القضية الفلسطينية. وإني لا أشك لحظة في أن سببا أساسيا من أسباب اغتيال الصهاينة لغسان هو قدرته على إقناع المراسلين والعالم أجمع بعدالة القضية الفلسطينية.
 لنعد الى رجال في الشمس. كتبها غسان خلال شهرين من الاختفاء عن أعين السلطات اللبنانية.
بل إني أذكر أن الشرطة جاءت لتفتيش البناية. فزعم ناطور البناية أن ساكن شقتنا امرأة أجنبية. وقد كان ذلك السبب الأوحد في عدم تفتيش شقتنا وربما السبب الأوحد في عدم إلقاء القبض على غسان.
 إذن، لقد أنقذته!
الحقيقة أن الناطور هو الذي أنقذه.
 ماذا بعد عن ظروف كتابة الرواية؟
كان غسان يدخن ثيرا. وفجأة قرر أثناء كتابة رجال في الشمس أن يتوقف عن التدخين، ورمى بعلبة الدخان، وقال: <<خلص!>> ثم قرأ الرواية لي مترجمة، وأهداها لي.
 هل كنتِ تعترضين على بعض ما يكتب؟
كنت أحب جميع ما كتبه. وأعشق رجال في الشمس، وأرض البرتقال الحزين، وعالم ليس لنا. وأعتقد أن كتابته تأخذ بالأنفاس، وقد كتبت لي صديقة دنماركية تقول إنها لم تفهم القضية الفلسطينية ولم تقدرها قبل أن تقرأ رجال في الشمس.
 ما كانت علاقة غسان بخالد الحاج؟
خالد الحاج كان من أوائل الشهداء الفلسطينيين. خالد، وأحد اخوة <<أبو ماهر اليماني>>، كانا من أوائل الشهداء على طريق تحرير فلسطين. وكان خالد من أصدقاء غسان المقربين، ولهذا أهداه ما تبقى لكم.
 كيف كان وقع هزيمة 67 على غسان؟
أيقظته صباح الخامس من حزيران وأخبرته بأن الحرب قد بدأت. كان شديد الحماسة أول الأمر. ووصف حماسة العرب آنذاك في أم سعد، فذكر أن أم سعد قد قذفت بالراديو بعيدا لكثرة ما أورد من أكاذيب عن انتصارات العرب. وحين علم غسان بالهزيمة، أصيب بالخيبة الشديدة ولا سيما بعد أن تحدثت الإذاعات عن الانتصارات المزعومة.
لكني ما زلت أعتقد أن غسان احتفظ بإعجابه بجمال عبد الناصر رغم الهزيمة.
 كيف كان وضع غسان الصحي آنذاك؟
كان غسان يعاني، بالإضافة الى داء السكري، من داء المفاصل؛ وهو داء يلم بالإنسان عادة من التخمة وكثرة الجلوس، ويسمى هذا الداء ب<<داء الملوك>>. وذات يوم ذهب غسان الى الطبيب وقال: <<شوف يا حكيم. الله حطني في الملف الغلط. أعطاني السكري وهذا مرض يأتي في كثير من الأحيان لمن يأكل كثيرا وأعطاني داء المفاصل مع أني فقير معدم وكثير الحركة!>>. والمعلوم أن غسان كان يكتب كل يوم، وقد ألف حوالى 19 كتابا خلال سنوات قليلة، وكان صحافيا مداوما.
 غادر غسان جريدة الأنوار عام 1969، وأسس مجلة الهدف. هل تذكرين شيئا عن ملابسات مرحلة الانتقال تلك؟
حين أراد غسان الاستقالة من الأنوار ومن ملحقها، قال لي سعيد فريحة: <<لا أريدك أن تذهب!>>. بل ان فريحة عرض عليه زيادة في مرتبه. لكن غسان رفض رغم كون مرتبه الجديد في الهدف هزيلا. فقد كان لغسان على الدوام <<هدف>> حتى قبل تأسيس الهدف. ومع الهدف كان مقتنعا بأنه سوف يصل الى الجماهير والى المخيمات الفلسطينية بشكل مباشر.
 حادثة ذكرها لك أثناء عمله في الهدف؟
ثمة مراسل من مراسلي الهدف كتب ذات يوم مقالة تهاجم عاهل المملكة العربية السعودية. ولم يكن غسان في بيروت آنذاك، لكنه أعلن أنه يتحمل مسؤولية كل ما يكتب في المجلة. فأخذ الى بعبدا، لكنه لازم مستشفى السجن طوال الوقت.
وكان في تلك المرحلة شغوفا برسم الجياد وتلوينها، فيعرضها أمام ممرضيه ويهديهم إياها. وكانت ثمة ممرضة شديدة العناية والإعجاب بغسان، وتأتيه بكل ما يرغب، بل إنها ظلت تأتي مع أولادها الى بيتنا بعد استشهاده أيام رمضان وأعياد الميلاد، وتجلب لولدينا الهدايا. كانت تعرف أدب غسان قبل أن يسجن، بالطبع. لكن بقية الأطباء، بمن فيهم أولئك الذين لم يعرفوه قبلا، أعجبوا به كثيرا. كان لغسان حس نكتة قوي، وكان مستقيما، ولم يكن له أعداء شخصيون.
 علاقته بأطفاله؟
علاقة ممتازة. وينطبق القول على علاقته بأطفال الجيران وأطفال أصدقائه. وكان يأخذ أطفاله وأطفال الجيران الى سينما الحمراء أيام الأحد بعد الظهر ليشاهدوا الصور المتحركة.
(كانت ظلال الأسى قد بدأت تلوح على وجه آني الطيب)
 هل كانت لغسان نظرة رجعية الى المرأة، والى المرأة الغربية، أسوة بالكثير من مثقفينا بمن فيهم أولئك الذين يسافرون الى الغرب ويقيمون علاقات ما مع النساء الغربيات؟ وما درجة تقدمية غسان كنفاني حين يتعلق الأمر بالقضايا الشخصية الاجتماعية اليومية؟
كان يشجع النساء في الجبهة الشعبية، كليلى خالد، على مواصلة النضال والقتال. وكانت كتبه كأرض البرتقال الحزين ومن قتل ليلى الحايك مليئة بالنساء ذوات الشخصيات القوية والإرادة الصلبة.
وذات يوم، سألته بعض المراسلات السويديات في لقاء في الجامعة الأميركية في بيروت عن موقفه من الرجل العربي الذي يتزوج أربع نساء وما ملكت أيمانه. وتحدثن عن قمع المرأة في البلاد العربية. فأجاب غسان: <<هنا يتزوج الرجال نساء كثيرات بطريقة شرعية. وأما في الغرب، فللكثير من الرجال عدة نساء من غير أن يتزوجهن. فما الفرق؟>>.
هذا لا يعني أن غسان كان يؤيد تعدد الزوجات. على العكس تماما. غير أنه كان يؤمن بأن لا تحرر حقيقيا للمرأة من غير تحررها الاقتصادي. وكان يعتقد أن تحرر المرأة يتم جنبا الى جنب مع تحرر الرجل والمجتمع، أي في سياق التحرر المجتمعي العام. وكان بالطبع يطرح الكثير من الأسئلة بصدد الحركة النسائية في الغرب؛ بل إن النساء في الغرب على نحو ما تبيّن الجريدة الدنماركية التي تجدها أمامك على الطاولة يطرحن اليوم مثل هذه الأسئلة بصدد حركتهن عام 1968.
وكان يقول لي: <<لك حريتك شرط ألا تؤذي مشاعري، ولي حريتي شرط ألا أؤذي مشاعرك>>. الحرية مسؤولية، وهذا موقفي أيضا.
هل كان غسان تقدميا تجاه ابنته؟ للأسف لم يتح له الوقت ليمتحن نفسه؛ فقد داهمه الموت وليلى بعد صغيرة!
 آني، ماذا عن ولديك؟ كيف يريان غسان كنفاني اليوم؟ وما درجة تأثيره فيهما؟
كتبت لي ليلى من الدنمارك رسالة جميلة وبالمناسبة أتنبأ بأنها سوف تكون قصاصة جيدة تقول إنها لا تنتمي الى الدنمارك، وإنما الى لبنان وفلسطين. وقالت إنه على رغم المزايا التي توفرها الدولة للمواطن في الدنمارك فإن شيئا لن ينسيها أنها فلسطينية. صحيح أن لغتها العربية كما لاحظ أحد الأساتذة ليست بجودة لغة أبيها الكاتب، ومرد هذا، ولا شك، الى حال الاقتلاع القومي الذي خضعت له (من بيروت الى الدنمارك...). لكن ليلى وأخاها فايز شديدا التأثر بغسان وبأفكاره مع أنه مات حين كانا صغيرين جدا.
أما فايز فلغته العربية جيدة جدا. وقد ترجم كتابا لغسان الى الدنماركية. والاثنان يعبّران عن أفكارهما عبر رسائل أخرى غير الكتابة. ليلى رسامة جيدة، وقد رسمت أثناء حرب الخليج لوحة كبيرة تصور مشاعرها عندما انهار ملجأ العامرية في بغداد فوق رؤوس اللاجئين بفعل القصف الأميركي. وفايز يتعاطى الإخراج السينمائي، ويطمح في أن يخرج في المستقبل فيلما مستمدا من إحدى قصص غسان.
 ابنة ترسم، وابن يصور، وزوجة تدير مؤسسة تعليمية للاجئين. غسان لم يمت إذن!
لا تنس أنه يحيا أيضا من خلال كتبه هو بالذات. تلقيت رسالة من امرأة دنماركية لا أعرفها على الإطلاق. ذهبت الى معرض للكتب في فلسطين وراحت تقلب كتابا لغسان. وإذا بفتاة فلسطينية في حوالى العشرين من عمرها تقف الى جانبها، وتشير الى صورة غسان، وتقول: <<اسمعي! هذا بطلنا!>>.
(آني تغص إذ تنطلق بكلمة اOurn heroب. وتصمت. ثم تنظف حنجرتها، قبل أن تضيف):
في فلسطين المحتلة، تقرأ كتبه. ليس المهم أن يعيش المرء طويلا، وإنما المهم ما يفعله أثناء حياته. إن ما فعله غسان خلال أعوامه الستة والثلاثين عظيم الأثر. وكان يعلم أنه لن يعود الى فلسطين أثناء حياته، لكنه كان واثقا أن أولاده سوف يعودون (؟). وكان يدرك أن الصراع طويل وأنه بحاجة الى الكثير من الدماء؛ ذلك ما قاله عقب مجازر أيلول الأسود تحديدا. وحين سأله أحدهم: <<الجبهة الشعبية تقول إن الأعداء هم إسرائيل، والصهيونية العالمية، والامبريالية الأميركية، والرجعيون العرب. فكيف ستقاتلون وتنتصرون؟>>، أجاب غسان: <<لم نختر <<أعداءنا. ولكن حين يقاتلوننا نقاتلهم!.
د. سماح ادريس