التحريض ودلالة الموت
كنا ندخل، قبل الآن، إلى عالم غسان من باب ممارسة الكلمة المسؤولة، أو من باب قلق الإبداع، أو من البابين معاً. وكان الزمان معنا كريما، أي ظالما، فأعطانا بابا ثالثا هو: السياق الذي نعيش. فبعد أن تراجع زمن <<الرجال والبنادق>>، وارتبك حديث الوضوح، طُردت المسلمات الأولى من قواعدها، وأخذت لغة المصالحة مع العدو الصهيوني شكل الحكمة السياسية. ومن هذا الارتباك خرج، ربما <<إميل حبيبي>> بمواقفه المريضة، يسلّع ضلالا باسم السلام والواقعية، ويسوّق تضليلا باسم زمن جديد. والرجل في بيعه وشرائه الحزينين يبدّد أعوامه السبعين ويشعل النار بكلمات وضيئة صاغها في زمن سبق. فبعد أن حرر حبيبي الصهيونية من تهمة العنصرية، قبل سنوات، استقوى بصمت مريب، وقبل جائزة إبداع صهيونية، تجعل من إلغاء الشعب الفلسطيني متكأ للإبداع. وحبيبي في مساره المريض لا يقتصد في إهانة التاريخ؛ فيرى في تكريم الثقافة الفلسطينية المفترض تكريما للثقافة اليهودية في تطويرها الفلسطيني؛ فالأصل واحد، والحاضر يستعيد الأصل ويمسح عنه الغبار، والغبار يتراكم حيث له أن يتراكم، يتراكم فوق ذاكرة الكاتب العجوز، التي تساوي بين السجين والسجان، وبين السلام والإذعان.
في سياق كهذا تأخذ صورة غسان بعدا جديدا وتصبح العودة إليها ضرورة وطنية أخلاقية. تؤكد الصورة وظيفة الكاتب الوطني، ووحدة الكلمة والموقف، والبحث عن قول جديد يصون تاريخ الوطن كريما. بل يمكن لهذه الصورة أن تصوغ قلق المبدع الوطني، حيث يتحول المبدع في سعيه لتحويل الوقائع التي هزمت شعبه. ولعل التحويل المتواتر في تجربة غسان منحه هوية خاصة به، تتمايز وتختلف عن هويات أخرى. لم يكن غسان يكتب قول فلسطين بقدر ما كان يبني قول فلسطين في قوله الخاص به ككاتب ومفكر ومقاتل. بل إن غساناً لم يكن مبدعا إلا لأنه استخلص قوله الخاص من القول الفلسطيني العام. فكانت فلسطين كاملة الحضور في ممارساته بقدر ما كان حاضرا ومتميزا ومتفردا في ممارساته الوطنية. وإذا كان يتناول الشأن الفلسطيني، في عموميته، بمقولة محددة هي <<التحريض>>، فإنه كان يعيد صياغة هذا الشأن بفلسفة به خاصة تدعى <<جمالية الموت الطليق>>. كان يكتب، في مستوى أول، عن فلسطين؛ ويكتب، وفي اللحظة ذاتها، وفي مستوى ثان، عن وجوده الإنساني في التجربة الفلسطينية. تقوده الكتابة الأولى الى فلسطيني لا يقف، وعليه إجادة الوقوف مقاتلا؛ وتقوده الكتابة الأخرى الى ذاته المسكونة بفكرة موت مختلف. وفي تحريض منفتح على الحياة ووعي أسيان متمرد يهجس بالموت، قدم غسان فناً مبدعاً، يتوازن فوق عنصرين، لا يمكن إرجاع أحدهما الى الآخر. يتحدث غسان عن تجربة محددة ومحدودة هي: تجربة فلسطين، ويتحدث عن قلق تجربة التحرر الإنسانية التي تفيض عن التجربة الفلسطينية.
البحث عن التحريض
في السطور الأولى من رواية لم تكتمل نقرأ في برقوق نيسان ما يلي: <<عندما جاء نيسان أخذت الأرض تتضرج بزهر البرقوق الأحمر وكأنها بدن رجل شاسع، مثقب بالرصاص>> (ص 581). وقد يبدو أن الصورة أثر لسطوة الكتابة، إذ جسد الشهيد المثقب بالرصاص يماثل أرض الربيع ويناظرها. غير أن غساناً في صفحات لاحقة يعطي الربيع وأرضه موقعا ثانويا ويقيم الربيع كله في جثة الشهيد المدافع عن الأرض: <<بدن الأرض مثل بدن رجل مثقب بالرصاص، يتضرج بزهر البرقوق، ويكاد المرء يسمع نزيز الدم يتدفق من تحته، ولا ريب أن قاسم بدا كذلك بعد هنيهات من سقوطه>> (585). يذهب الجمال كله الى الشهيد؛ فهو الأرض والربيع وموضوع الكتابة. يعلن الشهيد بدمه عن جمالية قضية ذهب في سبيلها، ويخبر الكاتب بحبره عن جمالية الشهيد؛ لكأن اختلاف اللون بين الحبر والدم عارض، كلاهما يتفجر وينز ويتسرب في مسام أرض قريبة وبعيدة في آن. وفي تماهي اللون يصبح الكاتب مقاتلاً، يسبق المقاتل المسلح، ويزامله، ويكتب عنه بعد اكتمال الشهادة. لقد وحّد غسان بين الكلمة والرصاصة، وكان في توحيده الحالم والواقعي في آن، يطرح سؤال الفلسطيني المقاتل الذي عليه أن يحسن أنواع القتال كلها: فيكون الفدائي كاتبا برصاصاته، ويكون الكاتب فدائيا بكلماته؛ فلا رتب ولا مراتبية، ولا قسمة عمل تقليدية، تستعير الفدائي من زوايا المخيم، وتسلم القيادة الى آخر يتحدث عن المخيم ولا يعرفه.
غسان فلسطيني مناضل في النهار وفلسطيني كاتب أول الفجر
يكتب محمود درويش في تقديمه للدراسات الأدبية لغسان عن غسان ما يلي: <<وفي آخر الليل... في أول الفجر كان يذهب الى كتابته <<الخاصة>>، الى كتابته الفنية. فلم يكن متاحا له أن يتخصص بشكل علني. كان يحترف الكتابة سرا. لماذا؟ لأنه فلسطيني.. ببساطة لأنه فلسطيني>> (ص 16). تعترف الجملة، في التباسها، بالاختصاص وتنكره، حيث غسان فلسطيني مناضل في النهار وفلسطيني كاتب أول الفجر. وحقيقة الأمر ان ممارسة غسان الكتابية كانت جزءا من ممارساته الأخرى، يعمل في النهار ما يسمح به النهار، ويعمل في الليل ما يقبل به الليل، ويظل المرجع واحدا، يحدد الممارسات ويميزها ويوحدها في آن. كان غسان في ليله، كما في نهاره، يطرح سؤالا قلقا: <<كيف يمكن إنتاج كتابة تستعيد الوطن>>؟ والسؤال ملتبس، قلق، حالم ومبالغ في حلمه، ربما. ولعل السؤال لا يحافظ على معناه إلا إذاقام صاحبه بكسر المعنى التقليدي للكتابة، لا بمعنى تجديد الأساليب وتهذيب اللغة عقلانيا فحسب، بل كذلك بمعنى إزالة الفرق بين الكاتب والفدائي، وإلغاء المسافة بين السياسي والأديب، وردم الهوة بين الأديب والقارئ، أي تحويل الكتابة الى أسلوب في الحياة، يصدر عن أسئلة الحياة الفلسطينية ويكون جوابا منها وفيها وإليها. لقد حاول غسان، حالماً، توحيد الاختصاص، في وجوهه كلها، في اختصاص وحيد: هو هزيمة المشروع الصهيوني. وجعله هذا التصور يساوي بين الكلمة والرصاصة وبين السياسي والأديب. ولذلك فإنه يكتب في تقديمه ل<<أدب المقاومة بعد الكارثة>>: <<ورغم ذلك فإن الكلمة تفعل أكثر من فعل النار وتستطيع أن تخترق حصارها>> (ص 43). ولأن للكلمة نارها المقدسة التي تبدد الحصار، فعلى السياسي أن يكون أديبا، أو على الأديب أن يكون سياسيا. وهذا ما قصد إليه غسان عندما كتب في دراسته عن الأدب الصهيوني السطور التالية: <<والذي لا شك فيه أن تيودور هرتزل كان أول من أعلن هذا الاتجاه (اتجاه الأدب الموجّه) بصراحة في مطلع القرن العشرين، حين نشر روايته الأرض الجديدة القديمة؛ هذه الرواية التي استبقت، عند هرتزل نفسه، الصهيونية السياسية، وكانت حافزا لقلب هرتزل <<الفنان>> الى هرتزل السياسي>> (ص 569). ويؤكد غسان الأمر ذاته في السطر الأول من مقدمته لتلك الدراسة فيكتب: <<قاتلت الحركة الصهيونية بسلاح الأدب قتالا لا يوازيه إلا قتالها بالسلاح السياسي>> (ص 467). وهذا ما يقوده الى التمييز بين الصهيونية الأدبية والصهيونية السياسية، حيث كانت الأولى سابقة على الثانية، ثم واكبتها في فعل قتالي تتكامل فيه الصهيونيتان.
ومع أن غسان كان رائدا في دراسة الأدب الصهيوني فإن ريادته لم تمنعه من إسقاط بعض تطوراته على مواد الدراسة، إذ انه في توحيده المتكافئ لفاعلية الأدب والسياسة كان يعطي الكلمة الأدبية دورا يتجاوز حدودها الموضوعية، وكان يفتش في مواد الأدب الصهيوني عن برهان تصوراته الذاتية. ولعل السطور التالية تلقي الضوء على تصورات غسان: <<وربما كانت تجربة الأدب الصهيوني هي التجربة الأولى من نوعها في التاريخ، حيث يستخدم الفن، في جميع أشكاله ومستوياته، للقيام بأكبر وأوسع عملية تضليل وتزوير تتأتى عنها نتائج في منتهى الخطورة>> (ص 470). يحاور غسان الأدب الصهيوني كي يشتق من دروسه أدبا مناقضا في البنية والهدف، ومساويا له في الفاعلية والخطورة. وإذا كان غسان قد حاور هادئا فكر العدو في روايته عائد الى حيفا، وخلص الى نتيجة تقول: إن المدن المحتلة لا تفتح إلا من بوابة واحدة (إذ الالتزام المقاتل بقضية محددة يوحد، على مستوى الفكر، بين الطرفين المقاتلين على القضية ذاتها)، فإنه في حواره الغاضب مع الأدب الصهيوني وصل الى نتيجة تقول: يمكن الدخول الى عالم الأدب من بوابتين، بوابة أولى قوامها التزوير والتضليل، وبوابة أخرى جوهرها الصدق والحقيقة وضرورة الانتصار.
يسمح لنا فكر غسان بالوقوف أمام نتيجتين. تقول النتيجة الأولى: يسبغ غسان على الكلمة أهمية تتجاوز قيمتها، ممارسة تساوي الممارسات الأخرى وتكون مرشدا لها؛ فالكلمة فعل ورصاصة ومرشد الى بيوت الوطن. وتقول النتيجة التالية: يمايز غسان بين الأدب الصهيوني القائم والأدب الفلسطيني المطلوب، على مستوى المضمون والبنية، ويوحّد بينهما في مدار الغاية والهدف، في مدار الأثر المطلوب: التحريض. بهذا المعنى، فإن غساناً لا يشتق مفهوم التحريض الأدبي من تعاليم الأخلاق المجردة ومبادئ الكتابة التقليدية، وإنما يشتقه من حواره الداخلي مع فكر الآخر النقيض، ومن صراعه العملي مع الآخر النقيض. وهذا ما يجعل كتاباته تتناسل في حقل المعركة، وتكون عنصرا مقاتلا في حقل المعركة. وإذا كان بعض الكتاب الفلسطينيين يتابع كتابات تقليدية عن حكايات تقليدية قوامها فلسطيني مجرد، أو فلسطيني يقتات هادئا بذكريات بعيدة، فإن غساناً القلق في إبداعه، والمبدع في قلقه، كان يشتق صيغه الكتابية من صراعه العملي ضد العدو الصهيوني. إنه اشتقاق مسكون بالتوتر والغضب، يسيطر عليه غسان تارة، وينفلت من بين أصابعه تارة أخرى. ولأن الاشتقاق يبدأ بالعدو وينتهي به، فقد كان محاصرا أبدا بمقولة محددة هي: التحريض.
تجربة التحريض في رواية غسان
قد تتحول فلسطين في كتابات إميل حبيبي الى مخزن للذكريات، حيث العجوز يستحضر أطياف الشباب ملتاعا، فيكتب عن ذاته التي فقدت شبابها في وطن مفقود. وقد تتحول فلسطين في لغة جبرا إبراهيم جبرا الرهيفة الى موضوع فني، فتكون فلسطين علاقة فنية في جملة علاقات فنية أخرى. لكن فلسطين في كتابة غسان، القائد الوطني السياسي، شيء آخر. لا أقدّم هنا حكما فنيا أو أخلاقيا، بل أشير الى غسان في وحدة ممارساته. يقول بريشت: <<من لم يكن واقعيا خارج الكتابة لا يمكن أن يكون واقعيا داخل الكتابة>>. وقد لا تخلو عبارة بريشت من بعض الالتباس، غير أن التباسها لا يجردها من صحتها. وغسان المقاتل كان يرى في الكتابة شكلاً من أشكال القتال. ولأنه كان مقاتلا فإنه لم يكن يكتب عن الأرض بل عن الوطن. لم يكتب غسان عن بقعة جغرافية تدعى فلسطين أو أرض الأجداد. كان يكتب عن صراع مثلوم أدى، في زمن مضى، الى ضياع الوطن، وعن صراع صحيح منفتح على المستقبل، يستعيد في قادم الأيام الوطن المفقود. وفي الحالين، كان يبتعد عن الجغرافيا والأجسام الجامدة والتعريفات السياسية التقليدية، ويكتب عن الوعي والإنسان والتاريخ. فإن كانت الثورة تستعيد الوطن المفقود فإن الثورة المستمرة وطن حقيقي يفيض عن الأزمنة.
يتابع الفلسطيني في <<رجال في الشمس>> زمن الفرار، ويفضي به بشكل مستقيم الى الموت، لأن الفرار من الوطن شكل آخر من أشكال الموت؛ موت مؤجل ينزل على الفلسطيني في ساعة الحقيقة. يموت الفلسطيني الهارب لأنه لا يميز الأرض من الوطن؛ فالأرض مصدر رزق، وأما الوطن فشيء آخر. ولذلك فإن <<أبا قيس>> الذي هدّه البحث عن لقمة محتملة، يستذكر في لحظة حزن شفيف، الأستاذ سليماً الذي ذهب مقاتلا، والذي سأله أهل القرية في زمن مضى، عن الأمور التي يحسنها، لأنه لا يعرف أن يؤمّ الناس يوم الجمعة، فأجاب: <<إنني أعرف أشياء كثيرة... إنني أجيد إطلاق الرصاص مثلا... إذا هاجموكم أيقظوني، قد أكون ذا نفع>> (ص 42). تقيم الرواية تعارضا بين الوطن الحقيقي والمنفى البائس، وبين الإنسان ذي الوعي الصحيح والإنسان الضليل الباحث عن لقمة في أرض الرمل؛ أي إنها تقيم مواجهة بين زمن الفرار وزمن المقاومة. ولأن المقاومة وطن ووجه وهوية ومرآة حقيقية لجوهر الإنسان الحقيقي، فإن من لا وجه له ولا هوية ينتهي الى موت بلا كرامة. يحكم غسان على من فرّ بموت بائس، ويكون حكمه بالغ القسوة: فالفار جثة لا وجه لها سكنت على عارضة الطريق فوق نفايات مدينة تسوطها الشمس وتقرضها الرمال.
يطلق غسان صيحة التحريض في ألوانها كلها. يحرّض الفلسطيني ضد أوهامه المستقرة في موت رخيص، ويحرّضه ضد مسؤول عربي يذوب تفاهة وهو يتسقط أخبار راقصة مبتذلة، ويحرّضه زاجرا وهو يرسم واقع اللجوء مفروشا بالمذلة والحرمان، ويحرّضه متوترا وهو يستذكر صورة <<الأستاذ>> الشهيد. ويبلغ التحريض درجاته القصوى في <<ما تبقى لكم>>. يعلو وحل المخيم، وينكشف الشرف المطعون، ويتكشف العجز في انتظار أم بعيدة. <<كل شيء مؤجل>>، والمعجل الوحيد هو الذل والاستكانة إليه وهو العار والقبول به... يكتب غسان واقع اللجوء بشكل يدعو الى هدمه: فينطلق <<حامد>> ويقتل عدوه، وتقف <<مريم>> وتطعن <<زكريا>>، وتعلو الشمس لتصفع المواقع الرطبة. وغسان يلتقط نبض الزمن، يرفع الصوت ويخفضه، وفقا ليقظة الفلسطيني وسباته. والفلسطيني الذي تكوّم هامدا فوق رمال النفايات، في زمن الضياع، يقف مختلفا في زمن <<أم سعد>> التي تعبر الحياة كرمح من نار. يجمّل غسان <<أم سعد>> المقاتلة ليزجر الفلسطيني التائه في حسبان شتيت، ويكتب عن <<سعد>> بدفء وحنان كي يدفع بالفلسطيني الآخر الى إحراق خيامه والانتقال الى <<الخيمة الأخرى>>، خيمة الفدائي الذي يفتتح نهاره بالانفتاح على الموت.
ويأخذ التحريض شكل النشيد في العاشق، إذ الفلاح المسلح، في زمن القسّام، كيان سحري ومسحور، يتوحد مع الريح والسهول وغبش الصباح، يتحصن بأرضه فتدافع عنه أرضه ولا ينهزم. وفي العودة الى ماض وطني بقي غسان محرّضاً. وربما بالغ في التحريض حتى حوّل التاريخ الى شعر أو الى ما هو منه قريب. وغسان قد يحرّض اتكاءً على تجربة فلسطينية، أو على زمن فلسطيني بلا مسرة، دعاه في قصة قصيرة له بزمن الاشتباك. وقد يحرض اعتمادا على تجارب إنسانية متعددة جوهرها موقف إنساني كريم أو موقف لا تحتمله ذات بشرية تعرف معنى الكرامة. نذكر صورة الراعي الممتلئ إخلاصا ووفاءً وكرامة في <<الخراف المصلوبة>>، ونذكر جملة البدوي الطريد في قصة <<الصقر>>: <<ذهب ليموت عند أهله... الغزلان تحب أن تموت عند أهلها... الصقور لا يهمها أين تموت!>> (ص 436). وحين يصف غسان الرجل الباحث عن بندقيته الضائعة في قصة <<العروس>> فإنه يرفعه الى مقام الأمثولة: <<إنه محاط بشيء يشبه الغبار المضيء... ذلك الرجل المحاط بما يشبه النور... من الذي سيعيره بندقية في ذلك الطوفان الذي لا تنفع فيه إلا البندقية؟ هي وحدها التي كانت تستطيع أن تحمل الإنسان عبر ذلك الموج، الى شاطئ النجاة أو الى شاطئ موت شريف>> (ص 598). يعيد غسان قسمة الأمور، بلا انحراف: موت شريف وموت لا شرف فيه؛ فإن اختلطت الأمور عند الرجل الشريف الذي أضاع بندقيته، سقط في عالم الجنون.
دلالة الموت وانقسامه
تطفو مقولة التحريض بيّنة في نص غسان. والتحريض يتضمن التفاؤل، واجب الوجود، تحقق الهدف وانتصار الإرادة. وقد يدور بين حد هزيمة حصلت خطأ وحد انتصار تعد به الأيام القادمة.
الحياة في أدب غسان حيز من الزمان يفتش فيه الإنسان عن موته الموائم والمطابق!
يظهر الإنسان الطليق الإرادة هازئا بالقدر، إن لم يكن صانعا له. ومع ذلك فإن نص غسان في بنيته العميقة يحذف مقولات التفاؤل والتشاؤم، الهزيمة والانتصار، المبتدأ والنهاية، ليستعيض عنها بمقولات: الحياة والموت، العبودية والحرية، المخاطرة والرهان... تبدو تجربة الحياة تجربة في الموت، وتستعلن حريةُ الإنسان الحقيقية حريةً في اختيار الموت، بل تظهر الحياة كحيز من الزمان يفتش الإنسان فيه عن موته الموائم والمطابق. عدمية بلا ضفاف تحيل الى معنى الوجود وهشاشته. عدمية مطلقة السراح قوامها رفض السكينة ومطاردة الموت. يصبح البحث عن الحياة بحثا عن موت متمرد على قوانين الحياة المألوفة.
في منظور كهذا تعطي مقولة الفلسطيني مكانها لمقولة الإنسان المتمرد، ويمنح الوطن اسمه الى الثورة، وتغيب ثنائية الهزيمة والانتصار من أجل ثنائية أسمى وأكثر نبلا هي ثنائية: الموت والحرية. يأخذ صراع الفلسطيني مع الوجود دلالة أخرى، فلا يكون صراعا من أجل الوطن، بقدر ما يكون الوطن في هذا الصراع مناسبة خاصة يخوض فيها المتمرد تحديه للحياة المألوفة وصراعه مع الموت. يفقد الوطن مرجعيته الأولى، وتعود المرجعية كلها الى إنسان أعلى يروّض الموت وهو يطارد الموت. تصبح مطاردة الموت الوطن الأسمى؛ فالوطن أرض محدودة القياس وحرية اختيار الموت فضاء لا حدود له. ينفي الجوهري، في هذا التصور، الواقعي، بقدر ما ينفي الصحيح مقولة: المفيد. تشير مقولة الواقعي الى ظواهر الأشياء: مخيم تعصف به الريح، وأرض مختلسة، وعدو مسلح بانتصاره ومنتصر بسلاحه؛ وأما الجوهري فيومئ الى ما لا يُرى: إرادة مشتعلة، ورغبة جامحة، وقلب حار، ومتخيل يكون فيه الإنسان صانعا للموت والحياة في آن. وكذلك حال الفرق بين المفيد والصحيح: فيومئ المفيد الى خارج الإنسان، ويقوم الصحيح في داخله؛ والمفيد غرض عارض، والصحيح قناعة فوق الأزمنة؛ ولذلك فإن الصحيح لا يقوم في الوطن، بل في ممارسات الإنسان الذي ينتمي إليه الوطن.
ولعل هذه المقدمات تسمح لنا بالقول إن غساناً كان ثورياً أكثر منه فلسطينياً، غير أنه لم يصل الى الثورة إلا عن طريق فلسطين. عاش كفلسطيني تجربة الخروج المؤسية، وعاش كفلسطيني تجربة العودة المرغوبة. وارتقت به معاناته الحارقة فمزج الخروج والعودة في مقولة واحدة هي: كرامة الإنسان. أقصى حزن الخروج واشتق منه معنى الإنسان الكسير؛ ونحّى شوق العودة المرتقبة واستولد منها معنى الإنسان المتمرد. وهذا ما جعله يستبدل جمالية الموت الطليق بشعار القتال من أجل الوطن؛ فلسفة ذاتية تميز الموت المطارِد من الموت المطارَد، وصوت القدر من صوت الإنسان. لكأن حياة الإنسان، في أبعادها كلها، مواجهة للموت أو هرب منه. يصبح الموت أليفا، رفيقا وصديقا، يسكن ساعات النهار، ويكون به مرحّباً، وينسج لحظات الليل، ويعطي نسيجا باهرا في ألوانه.
يجثم الموت سيدا على رحلة المهزومين في رجال في الشمس. يسفر عن وجهه شيئا فشيئا، فإن اكتملت الرحلة ظهر الوجه كاملا. موت ضروري لأن حياة الإنسان الكسير شكل آخر من الموت. حياة زائفة يبتلعها موت زائف. يبدو الوطن الضائع استعارة خارجية، ويظل المكان لمقولات: الفرار، الذل، العجز، البؤس، الموت في الحياة، الضياع، اللواذ... تبدأ الرحلة بالموت ولا تنتهي به. ولذلك تكون العبارة الشهيرة: <<لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟>> زائدة؛ فالموت ضرورة قبل أن يكون صدفة. وقد تبدو نهاية الرواية واضحة بالعودة الى فلسفة غسان التي تختصر الحياة الى موت زائف وموت جوهري، حيث تقع الصفة الأولى على <<أبي قيس>> ورفاقه، وتذهب الصفة الثانية الى <<الأستاذ سليم>>. ويظل <<أبو الخيزران>> دليلا للموت الزائف وسائسا له. رواية مغلقة ترفض الاحتمال، أبطالها المكان والزمان والموت، والبشر أقنعة. والقناع يسقط عندما يريد منه البطل ذلك.
يعيد غسان قوله عن الموت في ما تبقى لكم. يقع الموت الجوهري على <<حامد>>، ويسقط الموت الزائف على <<زكريا>>. يسقط الموت طاغيا على ذليل وشى بصديقه حفاظا على حياة ذليلة قوامها الموت؛ بينما يرتقي <<حامد>> الى مقام الموت الجوهري، في تمرده على بؤس المخيم، ورحيله الى الصحراء. تبدو جمالية الموت كاملة في خطوات مراهق يجتاز صحراء مسكونة بالموت. وقد يقتل الصغير الفلسطيني عدوه الصهيوني في ساعات الصباح، دون أن تُكتب له السلامة: فدورية العدو واصلة بالضرورة إليه، في الضحى أو الظهيرة أو المساء. بل ان الرحلة تبدو، منذ البداية، رحلة الى الموت: فهي رحلة مراهق يقصد صحراء لا يعرف عنها شيئا حيث الشمس الحارقة والتباس الطريق ودوريات العدو المستمرة. تصدر جمالية الموت عن التمرد، عن الإرادة المنضبطة في الذهاب إليه. لا يذهب الصغير الفلسطيني الى أمه، وإنما يذهب الى أمه ليلتقي بالموت؛ فالموت الطليق حقيقة والأم ذريعة.
ورغم اختلاف الموضوع في عائد الى حيفا، فإن غسان لا يغيّر من قوله شيئا؛ فيندس بين موت وموت واختيار وآخر. يأخذ <<سعيد س.>> الكلام كله، ويظل قناعا، لأن القول يدور بين <<دوف>>، الصهيوني المسلح، والابن <<خالد>> الذي يريد أن يكون فدائيا. كرامة تواجهها كرامة أخرى، أو موت جوهري يقابله موت جوهري آخر. ولعل تقديس غسان لمقولة الإنسان الموقف، أو الموت الجوهري، جعله يقدم الرواية الأكثر ارتباكا بين أعماله كلها. فما دام الإنسان موقفا ممارسا، والصهيوني يمارس موقفه المبدئي، فإن على الإنسان أن يحترم الصهيوني في موقفه المبدئي، بل على الفلسطيني الضليل أن يتعلم موضوع الإنسان القضية من نقيضه الصهيوني. وهذا يعني أن الصهيوني صائب، ولكن في وضع مقلوب، ويكفي أن نوقفه على قدميه، ليصبح صائبا بلا خطأ، أي ليصبح فلسطينيا، أو يكون على الفلسطيني أن يكونه. يحمل موقف غسان من الموت تجريدا لا يمكن السيطرة عليه، لأنه يتكئ على مقولة <<الإنسان الأعلى>> أولا، الإنسان الذي يقصد الموت دفاعا عن قضيته. ولما كان الصهيوني يتسلح ليدافع عن قضيته فإنه يكون بصفة <<الإنسان الأعلى جديرا. ولذلك فإن <<سعيد س.>> يرضى عن ابنه <<خالد>> الذي اختار طريق العمل الفدائي، بعد حواره مع الصهيوني المسلح. و<<سعيد>> هذا شكل من <<أبي خيزران>>، ولكن في زمن آخر، عرف معنى الموت الزائف، ولم يستطع أن يعيش معنى الموت الجوهري، فترك ابنه يمضي إليه.
ولعل رواية العاشق مرآة لبحث طليق عن موت طليق، وشكل البحث يمنع الموت عن صاحبه، فتخبئه السهول والأودية ولا تصل إليه رصاصات الأعادي. يتوزع <<العاشق>> على الأمكنة، أو تتوزع عليه الأمكنة، فيرى ولا يُرى. إن <<العاشق>>، بمعنى ما، جذر من جذور <<أم سعد>> التي تقول: <<خيمة عن خيمة تفرق>>، أو <<موت عن موت يختلف>>. وربما كان انتساب المرأة الى <<العاشق>> الذي سبق يعطيها ما يليق بها من الصفات: <<تمشي بقامتها العالية كرمح يحمله قدر خفي>>، و<<تصعد من قلب الأرض وكأنها ترتقي سلما بلا نهاية>>، وتقف <<مثل شارة الضوء في بحر لا نهاية له من الظلام>>. وغسان هنا لا يمجد امرأة فلسطينية بقدر ما يمجد امرأة تجسّد معاني الكرامة؛ أي إن غسان يدخل <<أم سعد>> في عالم <<إنسانه الأعلى>>، لأنها أحسنت التمييز بين خيمة وأخرى، وأرسلت <<سعداً>> الى عالم مسوّر بالموت الجوهري.
ويظل عالم غسان مثقلا بعبق الموت، في شكليه، منذ أن كتب موت سرير رقم 12 وصولا الى برقوق نيسان. يقول في القصة الأولى من المجموعة الأولى: <<فها أنذا ألتقي بالبومة الغاضبة بعد غيبة طويلة، بعيدا عن قريتي التي كانت تعبق برائحة البطولة والموت>>. وأما <<شيء لا يذهب>>، القصة الثانية، فتقول: <<باقة ورد على ضريح إنسان ميت... شيء يذهب، لقد قالت لهم إنها تريد أن يبقى لها شيء لا يذهب>>. وتقول القصة التي تحمل عنوان: <<موت سرير رقم 12>>: <<يجب أن ينطلق كل تفكير من نقطة الموت>> (ص 149). ونقرأ في قصة <<لؤلؤ على الطريق>>: <<يجب أن يموت الإنسان في مطلع عام، أو في نهاية عام، فذلك أدعى لحفظ تاريخ موته من إنسان يموت في يوم من الأيام>> (ص 156). وتحمل القصة التي تعقبها عنوان <<الرجل الذي لم يمت>>. وتنتهي قصة <<القط>> بحكمة الموت والحرية: <<لقد زحف... القط... زحف يجرر خلفه قائمتيه الميتتين الى هناك... كي يموت هناك>> (ص 256). <<لقد زحف الى هناك كي يموت هناك>>...
يهدي غسان مجموعته أرض البرتقال الحزين الى قارئه المفضل، فيكتب: <<إلى من استشهد في سبيل أرض البرتقال الحزين... والى من لم يستشهد بعد>>. تأخذ الشهادة، في ضرورة تواليها، شكل البداهة اليومية؛ فهي الفعل الذي يعيد البرتقال الى طبيعته السوية، ويكون سعيدا. نقرأ في القصة الأولى <<أبعد من الحدود>>: <<أية حياة هذه! الموت أفضل منها>> ثم مع الأيام يبدأ بالصراخ: <<أية حياة هذه! الموت أفضل منها>>. (ص 287). وفي قصة لاحقة <<الأخضر والأحمر>> يعطي غسان تصوره لدلالة الموت بشكل معلن: <<إن الحياة لا قيمة لها قط إن لم تكن، دائما، واقفة قبالة الموت>> (ص 354). وقد يأخذ هذا الوضوح المأساوي سمة غنائية فيمسي وصول الموت المطارَد طقسا جميل الألوان: <<إلا أن الموت كان قد وصل، وسمعه يمشي فتخفق خطواته بالأناشيد البعيدة>> (ص 355)، و<<وصل الموت بأناشيده الى خاصرتيه فوقع>>؛ فالموت نشيد متناغم الإيقاع، والحياة أغنية مبذولة، إن لم يكتب إيقاعها الموت المرغوب ويضع لها النهاية. يصدر الموت الغنائي عن موقف يرى في الإنسان مرجعيا شاملا لا يحتاج الى مرجع خارجي يخضع له. ولذلك تقول القصة السابقة قبل أن تنفلق في نهايتها: <<لماذا لا تكون نداً قبل أن تموت؟>> (ص 360)؛ فإن جاءت النهاية المنفلقة أعطت القصة نهاية صرخة: <<لا تمت قبل أن تكون نداً... لا تمت...>>.
ويتابع غسان فكره الجميل عن الموت الجميل في قصته: <<قتيل في الموصل>>. ويهدي قصته الى صديق لم يخذله، ووقع على الموت قبل أن يقع عليه الموت. نقرأ في الإهداء: <<الى صديقي م. وقبره يغتسل بالشمس الحقيقية>> (ص 379). يميز غسان بين شمس وشمس، كما يمايز موتا من موت، ويكون للحقيقي شمسه الحقيقية. ويمكن للقارئ أن يستمر مع غسان في لهاثه وراء موت مختلف، أي وراء إنسان متحقق، يحقق الجوهر الإنساني المبدع في مغامرة تدفن القدرية المتداولة وتدمر تربية أساسها الإذعان والانصياع للقدر: <<إذا أردت أن تحصل على شيء ما فخذه بذراعيك وكفيك وأصابعك>> (ص 449). هذا ما يقوله غسان في قصته: <<ذراعه وكفه وأصابعه>>.
ولعل غساناً يلخص موقفه من الموت كاملاً في مسرحيته الباب، حي نقرأ السطور التالية: <<الموت! الموت! إنه الاختيار الحقيقي الباقي لنا جميعا، أنت لا تستطيع أن تختار الحياة لأنها معطاة لك أصلا... والمعطى لا اختيار فيه... اختيار الموت هو الاختيار الحقيقي، أن تختاره في الوقت المناسب قبل أن يفرض عليك في الوقت غير المناسب... قبل أن تدفع إليه بسبب من الأسباب التي لا تستطيع أن تختارها كالمرض أو الهزيمة أو الخوف أو الفقر، إنه المكان الوحيد الباقي للحرية الوحيدة والأخيرة والحقيقية>> (ص 71). يتضمن مفهوم الحرية، في الجملة الأخيرة، معنى مزدوجا. يتجلى المعنى الأول في رفض العرف والتقليد والعادة وسطوة القانون الطبيعي والاجتماعي الذي قد يحدد بداية الإنسان ونهايته، إذ يجهل الإنسان موعد القدوم وميعاد الرحيل. ويود غسان أن يعبث ببعض علاقات المعادلة: فإن كان الإنسان عاجزا عن اختيار زمن ولادته فعليه ألا يكون عاجزا عن اختيار زمن الرحيل وشكله، وذلك كي ينجو من هوان العادة وسطوة القانون. ويظهر المعنى الثاني في القول بالحرية وبممارسة الحرية فعلا. والحرية هنا نقض للعبودية والاستبداد والإكراه والإذعان. إنها فلسفة إنسانية متمردة لمتمرد يمارس فلسفته قبل أن يقول بها، مع فرق جوهري يحدد فلسفة غسان عن فلسفات مدرسية أخرى. يقول غسان في إحدى قصصه: <<لعل المدرسة هي آخر مكان يعلمنا شيئا عن الحياة>>. لما كان الأمر كذلك، وهو كذلك، فإن غسان تعلم فلسفته في شوارع الحياة، وفي رحاب تجربة لاجئ فلسطيني أدرك في مرارة التجربة أن الموت فوق أرض الوطن خير من التيه في دروب اللجوء.
لا مكان عند غسان لرواية مفتوحة النهاية؛ فالعالم لا يوجد إلا في نقائضه الساطعة
لا مكان لوسط عند غسان، ولا مكان لرواية مفتوحة النهاية، والعالم لا يوجد إلا في نقائضه الساطعة. فيقسّم العالم في حقل التحريض الى: الوطن/ المنفى، الشرف/ العار، المخيم/ البندقية، المقاوم/ الفار، الشهيد/ الجثة المتحركة... ويقسّم العالم في حقل الموت الى: موت عارض/ موت جوهري، العبودية/ الحرية، الإذعان/ التمرد، التحدي/ الاستسلام...
اعتمادا على هذين العنصرين قدم غسان ممارسة أدبية مبدعة، إذ العنصر الخارجي يحاور تجربة فلسطين ويكتبها، وإذ العنصر الداخلي يكتب عن غسان ويكتبه غسان. عنصران متمايزان في توحدهما يصوغان عملا أدبيا دائم التناقض، يواجه العنصر الخارجي العنصر الداخلي ولا يلغيه، ويقابل العنصر الداخلي التجربة الخارجية ولا يشوّهها. توازن جمالي يعطي العمل تجدده، ويمنحه جماليته. بل يمكن القول: إننا أمام ثلاثة عناصر؛ فغسان المفكر لم يكن بإمكانه تحقيق توازن العنصرين، لو لم يتحول في إطار معاناة التعبير الى عنصر جمالي يسوي العلاقة بين موضوع تاريخي معيش، وذات تعيش الموضوع التاريخي وتكتبه.
لم يكن غسان يفتش عن الإبداع بل عن كتابة تحكي أحوال الوطن المفقود بشكل مبدع، والإبداع جوهر الحرية .وقوامها
د. فيصل درّاج