رسالة إلى غسان كنفاني
من فوق التراب الى تحت التراب. والموت واحد وإن اختلف الموقع. والمدفن واحد وإن اتسع ما فوق التراب ليشمل العالم كله حيث انتشر الفلسطينيون وضاق ما تحت التراب فانغلق على جثمان وحيد.
فشل القتلة وإن نجحوا في تغييبك. ونجحوا في تغييب غيرك وإن فشلوا في قتلهم. ولو كان القتلة يعلمون أنهم بقتلك يطلقونك من عالم مجنون ومتخاذل ومستسلم باع شرفه وأرضه وحقه ومبادئه بثمن زهيد أو حتى بدون ثمن، لكانوا ترددوا قبل وضع الأصابع المتفجرة في سيارتك في صباح ذلك السبت المشؤوم قبل عشرين سنة. إن انفجار الفولسفاكن حررك من هذا العالم وأبعدك عن المأساة التي نعيش وأخفى عن عينيك عيوب الحاضر وجرائمه وانهزاماته. فأغمضت عينيك على صورة جميلة من صور النضال والإيمان والثورة والقيم. وفي عشرين سنة خبت هذه الصور، وبهتت، وأخذت مكانها صور قاتمة وتعيسة.
كم توهمت، بعد استشهادك بعشرة أيام، أن وحشية العدو التي نالت منك لم تنل مني تماما، فبقيت أتنفس وأتحرك وأرمش، وإن خف السمع والبصر الى ما يقارب الزوال. ولكني، بعد عشرين سنة من اقتراف هاتين الجريمتين، أغبطك وأغبط مصيرك ولا أغبط مصيري.
ماذا كنت ستسمع يا غسان، وماذا كنت ستشاهد، لو كنت تشاركنا الجلسات هذه الأيام؟
كنت ستسمع أن الصهيونية ليست حركة عنصرية استيطانية معادية، بل هي حركة سياسية تقف في وجه حركة سياسية مقابلة، كلاهما من طينة واحدة: تدافع الأولى عن <<حقوق>> جماعة (اليهود) وتدافع الأخرى عن حقوق جماعة ثانية (العرب)، تماما مثلما نص وعد بلفور قبل استشهادك بخمس وخمسين سنة: إن وطنا قوميا لليهود يقام في فلسطين بشرط ألا يمس بمصالح <<الجوالي>> المقيمة في ذلك البلد؛ وكما كان <<السير>> مارك سايكس، أحد بطلي الاتفاقية المشؤومة، يزعم أن الصهيونية والقومية العربية صفحتان لورقة واحدة.
وكنت ستسمع أن <<إسرائيل>> بلد مثل سائر البلدان، له حقوقه وأمنه وحدوده ووجوده ومصالحه. وما علينا إلا أن نعترف له بذلك حتى يكف عن التعدي علينا. ف<<إسرائيل>> أصبحت <<جاراً>> ولم تعد عدواً. وللجار حقوق. وما الجدار الذي يفصل بيننا إلا جدار وهم وخيال نصبه التعصب والجهل في قرن من الزمان.
وكنت ستسمع أن فلسطين ليست فلسطين؛ أن نصفها اسمه إسرائيل، ونصفها الآخر اسمه الضفة الغربية وقطاع غزة.
وكنت ستسمع أن القضية الفلسطينية هي قضية ما سقط عام 1967 من أرض فلسطين، وأن استعطاء حكم ذاتي يجعلنا أحرارا في شؤون الصحة وجمع القمامة وفتح الدكاكين وتعليق اليافطات ويغنينا عن المطالبة بتحرير محبوبتك عكا والعودة الى محبوبتي طبريا. بل ان قضية فلسطين امّحت وذابت في ما أصبح يسمى <<قضية السلام في الشرق الأوسط>>.
وكنت ستسمع أن التفاهم بالحسنى، أو الاتفاق بالتراضي، هو شرف <<الثورة حتى النصر>>؛ وأن شرف الجلوس مع مندوبي العدو في هذا البلد الأوروبي أو الأميركي أو الآسيوي أو ذاك، في ظل الرعاية الأميركية <<الصديقة>>، هو النصر بحد ذاته. فقد فاتك أن أميركا لم تعد دولة استعمارية أو إمبريالية وعدوة للشعوب، بل أصبحت صديقا عزيزا حاميا لحقوقنا وجنديا مخلصا لاستعادة حقوقنا. لم يعد هنري كيسنجر <<عزيزا>> وحده، بل أصبح الطاقم السياسي الحاكم في أميركا كله عزيزا على قلوبنا.
لو كنت لا تزال حياً يا غسان لكنت تشاهد أصدقاء يسيرون في جنازة الحق الفلسطيني مزهوين بالانتصارات الوهمية
لو كنت لا تزال حياً يا غسان لكنت تشاهد وتسمع أصدقاء مشتركين لك ولي (وبعضهم أصابته قنابل العدو مثلما أصابتك وأصابتني) يقولون هذا الكلام وأكثر، ويسيرون في جنازة الحق الفلسطيني مزهوين بالانتصارات الوهمية. لقد سقطت الأقواس حول اسم <<إسرائيل>> وأصبح الاستمرار في استعمالها غباءً وتحجراً وسماجة لا تليق بنا ونحن نجالس الإسرائيليين ونستعطفهم ونتملقهم ونغازلهم ونمنحهم بركات الشرعية. والصحيح أن الأقنعة سقطت عن وجوههم هم بمجرد إسقاطهم تلك الأقواس.
ألا توافقني، بعد هذا، أن مثواك تحت التراب أرحب وأرحم من منازلنا الفخمة وطائراتنا الخاصة وعروشنا والبسط الحمر تحت أقدامنا؟
لكنه ذنبك أنت يا غسان، أنك أتحت لهم أن يغتالوك. ركبت الفولسفاكن. ولم تكن تركب المرسيدس 500 المصفحة، تحيط بك حراسات مسلحة تفتح لك الطرقات وتغلقها عن غيرك. تماما كما كان الذنب ذنبي حسب رأي أحد كبار قادتنا العباقرة الذي صرخ مستنكراً أن أفتح المظروف المفخخ، الأمر الذي جعل القنبلة تنفجر بين يديّ. قال: <<أليس عنده سكرتيرة تقوم بفتح الرسائل عنه>>؟ وكأنه أراد أن يقول: <<لتبتر أصابع السكرتيرة، أما أصابعه فلا>>. فالموت للمساكين وليس للمسؤولين!
وهكذا تتحول المسألة من جريمة صهيونية قذرة ضد الفكر الفلسطيني الى خطأ نقترفه نحن وندفع ثمنه حياتنا أو بعض حياتنا.
لقد هددوك، وحذرك <<العارفون>> قبل أيام من الجريمة واستخففت فنالوا منك. وهددوني، وحذرني بعض <<العارفين>> قبل أيام من الجريمة فسخرت ولم أتعظ منك، ونالوا مني. وهكذا كانت الحال مع الكثيرين غيرنا، رحم الله الموتى وشفى الجرحى والمصابين وغفر للمتخاذلين وهداهم. إن وحش الموت، كما يقول المثل الدنماركي، يلتهم الأدسم بين ضحاياه. ترى، هل كانت لدينا رغبة خفية في التنافس والتدافع أمام الوحش ليختارنا نحن من بين آلاف المقاتلين بالبندقية أو بالقلم؟
لقد أراحك الموت من سؤال سخيف كان المحقق سيطرحه عليك مثلما طرحه عليّ وأنا أستلقي على سريري في المستشفى بين الموت والحياة: <<ومن تعتقد أنه وراء الجريمة؟ هل هناك خصومة بينك وبين جار أو زميل أو منافس؟>> ولو كانت لديّ قدرة على الكلام لكنت أجبت: <<نعم. هناك خصومة بيني وبين العقل والمنطق عقل هذا الزمان ومنطقه اللاعقلاني واللامنطقي>>.
يبدو أنهم هم العقلاء والمنطقيون، ونحن كنا المغفلين. المغفل فقط يرث الرضى الذاتي، وراحة الضمير، وشرف النضال. وهم يرثون كل شيء آخر رنان، من لقب الى ذهب.
أنت وأمثالك تعيشون في المخيم وتناضلون في الخندق وتشربون الماء الآسن وتقتاتون الفتات. وأما وجهاء النضال الكلامي والخطاب السياسي المهرجاني ومحترفوه فقد جنوا ثمار ذلك النضال، ألقابا فخمة تحتضن أسماءها، ومباني ضخمة تنطح بأعناقها السحب، ومواسم الترف ومهرجاناته وأعراسه التي قصّرت عنها ليالي الألف ليلة وليلة.
  
أخي العزيز غسان: لقد متّ مرة. ونموت نحن كل يوم ألف مرة.
أكاد أسمعك تسأل: أليس من أخبار غير هذه التعاسات؟
نعم.
فايز وليلى يرفعان اسم فلسطين واسم والدهما عاليا، بكفاءاتهما ونشاطاتهما ونجاحهما. وآني وفية لك في وفائها لقضية زوجها التي أصبحت قضيتها، مثابرة تنجز ما يعجز عنه العشرات. ورفاقك على إيمانهم وسلاحهم وأصالتهم. وجبهتك صامدة بالرغم من الإغراءات التي تستميل الضعاف وتشد الأقوياء. و<<الحكيم>> القائد يزداد مرضه قسوة وتزداد عزيمته قوة. وكتبك ورواياتك وقصصك تجتذب القراء المعجبين طبعة بعد أخرى. ومجلة الهدف تتحدى وتواصل الصدور. والواحات النادرة في صحارينا الواسعة لا تزال خضراء، وينابيعها لم تجف، وإن أعرض الكثيرون عنها ولم يعد ماؤها الزلال يروي لأن عطشهم هو الى نوع آخر من المشروبات.
وبكلام آخر: لم تغب الشمس بالمرة، وإن كانت العتمة تلف حياتنا. فلا بد للشمس أن تشرق ثانية. إن دماء الشهداء، الأموات منهم والأحياء، ستظل تشع نورا يضيء لأجيال قادمة. وحده هذا الأمل يمنعنا من الاستسلام/ الانتحار.
() رئيس تحرير الموسوعة الفلسطينية منذ العام 1982، ورئيس مجلس إدارتها منذ 1988. له حوالى عشرين مؤلفاً في التاريخ والسياسة. أصيب برسالة ملغومة بعد استشهاد غسان كنفاني بعشرة أيام، أثّرت في سمعه وبصره
.قبيل استشهاده
د. أنيس صايغ