ثلاثية غسان كنفاني
(رجال في الشمس) و(ما تبقى لكم) و(أم سعد).. تشكل مجتمعة رواية القضية! <<رواية الأرض التي أحب.. والتي أراد أن يصلنا بحبه لها.. والتي حمل معنى الحب لها معنى الموت في سبيلها..>>.. إنها مجتمعة رواية قضية مصيرية.. كلها تحمل هم القضية.. وتحدد اتجاه السير الصحيح واتجاه السير الخطأ. ولئن كان الرجال في الشمس يبحثون عن لقمة عيش لعلها تكون طرية لهم ولأسرهم ولأولادهم بعد أن حرمتهم منها حياة التشرد في المخيمات.. ولئن مضوا يتجهون شرقا.. ويبتعدون عن عشقهم (أرض فلسطين) ويضيعون عشقهم.. ولا يظفرون إلا بالموت الذي ينتظر من يخطئ في اتجاه السير.. وأين؟ على مزبلة الصحراء.. صحراء النفط التي لا تعطي خيرها بسخاء إلا للأعداء.. لكن كان شخوص الرواية الأولى كذلك يمثلون العتمة والليل والعجز.. إلا أنه ليل غير مقيم.. بل هو آخر الليل. فتأتي الرواية الثانية لتشير الى طلائع الفجر.. والى الظروف الموضوعية التي توقظ الإرداة فيمن كان يظن أنه فقد إرادته!
تأتي رواية القضية الأخرى أو الحلقة الثانية في هذه المسيرة الروائية.. تأتي رواية (ما تبقى لكم) لترفع شعارها السياسي المتوهج.. شعار الهم الساخن والقضية السيدة.. ولتشير الى الاتجاه الصحيح في حركة السير.. لتعلن أنه لا سبيل للخروج من الدوامة.. دوامة الضياع والركود والعجز إلا بالمواجهة.. وبالمواجهة وحدها.. وهذه المواجهة العريضة تتداخل فيها مجموعة من الخيوط أو العروق أو القنوات وتنبض فيها وتتلاقى معها وتشكل شبكة متداخلة!
العروق الاجتماعية.. المتمثلة في أسرة بسيطة التكوين فقدت الأب.. ونزحت الأم.. وابتعدت الخالة.. وبقيت البنت (مريم) وأخوها (حامد).. البنت والأخ في ضياع.. في عجز.. لا يحسان بأية قيمة لوجودهما.. مقطوعان أمام هذا الموج من حركة الاحتلال التي أفقدت الناس ترابطهم.. وتواجه البنت حالة من الافتراس.. يفترسها نتن (زكريا) تحت ضغط المطلب الجسدي وإلحاحه في الخامسة والثلاثين من عمرها.. وتتجمع الظروف: المأذون.. والحمل.. والشرع.. والتقاليد.. لتحمل مريم وتنتقل بها الى المستنقع.. مستنقع زكريا النتن المفترس الذي يخون ويتعاون مع رموز الاحتلال ويشي بالفدائي ويكون سببا في قتله..
هذه الظروف التي خلقت هذا العجز في ظل الفقد تأخذ في التغير.. فينطلق (حامد) ليتخلص من قيده.. لعله يصل الى أمه النازحة.. فيقطع الصحراء من غزة الى بئر السبع في الطريق الى الأردن.
ولكن صحراء بئر السبع غير صحراء الكويت.. إنها رمال الأرض والوطن.. فحين تنشأ ظروف تدفع به الى معانقة هذه الرمال يحس بنبضها وحرارتها ولسعتها فتبعث فيه حالة عجيبة من العشق.. وينفض عن ساعده العجز.. ويخلع ثوب الخوف ويقطع القيد.. وحين يجد نفسه وجها لوجه مع جندي صهيوني.. تشتعل فيه حالة المواجهة.. وتزول من عروقه دقات التردد.. وكأنما يجد ذاته.. ويحس بوجوده لأول مرة في حياته.. فيواجه! وفي اللحظة ذاتها تبدأ (مريم) تحس بالتغيير وبدقات تطرد من عروقها الخوف والعجز والتردد.. فتنتزع السكين وتغرسها في صدر زكريا.. وتخلص نفسها من حالة الغرق في المستنقع وتنتشل ذاتها الى حالة الخلاص والإنقاذ والإحساس بالوجود! إنها عروق غير منقطعة.. بل هي متصلة بين (حامد) و(مريم).
عروق المكان والزمان:
في كل أعمال غسان القصصية والروائية.. يحتل المكان والزمان ما يحتله الحدث وما يحتله الإنسان.. فلا يشكل المكان لديه ظرفا أو وعاء منفصلا أو مجرد إطار فحسب تتحرك فيه الشخوص والوقائع.. بل هو شخصية حية نابضة تنمو وتتطور وتلتقي وتتصل وتتقاطع ولها أكبر دور.. كما قلنا في السابق.. فحين احتضن (حامد) حضن الصحراء ليتجنب ضوء (الدورية) ولينجو بنفسه منها.. نبضت العروق.. وتوحدت النبضات.. ولسعته الرمال، وانتفضت فيه إنسانيته المفقودة.. وقامت حالة من العشق عجيبة بينه وبين هذه الرمال.. رمز الأرض والوطن والحب! فتحول من حالة العجز الى حالة القدرة.. وكانت المواجهة التي نفضت الخوف بعيدا بعيدا.
أما الزمان فهذا المارد الذي خلقه غسان ليكون الإيقاع النابض في الرواية.. يتحول في لحظة العجز والفقد والضياع الى دقات خوف وشلل وقيد.. يبدأ لدى (حامد) أول عهده بالصحراء نبضا للخوف والفزع والتردد.. ثم لا يلبث أن ينزعه من معصمه ويلقي به (يلقي بالساعة) في الرمال ليخمد صوت الرعب في داخله.. ولتنشأ بعد ذلك حالة من الخلاص.. وإذا الزمن يتحول الى دقات تحريضية تساعده على المواجهة والإحساس بالوجود! وكذلك يمتد عرق الزمان في الوقت ذاته الى (مريم) التي تواجه (زكريا).. حيث أحست بدقات الزمان الرتيبة البليدة التي تفقدها الإحساس بوجودها.. وتحس كأنما هي تغرق في كل دقة من المستنقع.. مستنقع النتن.. مستنقع زكريا.. ولكنها لا تلبث أن تتحول الدقات لديها بفعل ظروف موضوعية ونفسية.. فإذا هي دقات تحريض بدلا من دقات جنائزية عجائزية! وتأخذ في النهوض والارتفاع بقامتها من المستنقع فتجد الخلاص.. كل الخلاص.. في المواجهة.. فتتناول السكين وتجهز على رمز المستنقع النتن.. زكريا!
هذه الحالة من التحول بدقات الزمان من العجز الى المواجهة الى الظفر بقيمة جديدة للحياة لم يكونا يحسانها.. أضافت قيمة جديدة للرواية.. قيمة فنية.. فظفرت الرواية بقيمتين على مستوى رفيع: قيمة حياتية وقيمة فنية.
وظل الشكل الحماسي الذي أقام عليه معماره الروائي الأول.. قاعدة للمعمار الروائي الثاني: حامد.. ومريم.. وزكريا.. والزمان وساعته التي تدق.. والمكان وصحراؤه التي كانت ميدان المواجهة!
وتظل الصحراء رفيقة لحامد.. لم يعد بمقدوره أن يكرهها.. لقد اختار حبها.. إنه مجبر.. ليس ثمة من تبقى له غيرها!
ولئن كانت رواية غسان الأولى تغمرها العتمة.. ويشتمل عليها الليل.. ويتخللها العجز.. وتمضي إلى آخر الليل لا تخرج منه.. فإن روايته الثانية.. تبشر بطلائع الفجر.. كأنها رواية الظروف الموضوعية التي تخلق إرادة.. وإن تكن إرادة ذات أبعاد فردية.. فلم يكن للإرادة يد في خلق الظروف.. بل كانت اليد للظروف في خلق الإرادة.. ولم يكن الفكر الفلسفي هو الذي وعى وعبأ وخطط.. بل ترك الأمر للظروف تفعل فعلها.. فلولا الظروف هذه لكانت الخمس عشرة سنة التي مضت على الاحتلال قادرة على ترسيخ صوت الصمت والسكون والموت.. ولكن الظروف تغيرت بفعل المواجهات اليومية على أرض الاحتلال.. تغيرت عما كانت عليه في السنوات العشر الأولى.
ولئن كانت الرواية رواية العجز.. رواية الماضي المستسلم.. فالرواية الثانية تشير الى الحاضر حيث لا خلاص إلا بالمواجهة.. وقد رمز لبداية اليقظة هذه بدقات الساعة.. تلك الدقات التي تنتقل من سراديب الماضي المظلم الى خيوط الفجر الصادق.. وبذلك يتنامى غسان في أعماله الإبداعية بموازاة تنامي الظروف وخط السير التاريخي ومنطق الأحداث.. ويتم هذا التناغم الذي يحرص عليه بين الزمان التاريخي والزمان الاجتماعي الذي أشرنا إليه من قبل.
ويكون هذا التنامي معقولا.. من مأساوية مشتعلة غاضبة متفجرة صارخة.. الى مأساوية المواجهة التي تتخللها خيوط من الضوء لا تخفي المرارة والأسى.. ولكنها تشير الى بداية فرح وزهو وأمل مشرق.. إلى أن يتم امتلاك الزمام.. زمام المعالجة والسيطرة على الحركة في (أم سعد) وفي (الأعمى والأطرش) وفي (العاشق) وفي (برقوق نيسان)! لقد تحول الغضب لديه الى رفض.. ومواجهة.. فثورة.
أجل.. لقد كان (حامد) حريصا على الساعة متعلقا بها.. ولكنه حين أحس بأنها تقيده وتشده وتعيقه.. تخلص منها في الصحراء! لقد كانت دقاتها تشير الى دقات الركود الفلسطيني السياسي والنفسي والعسكري طوال خمس عشرة سنة.. كانت صوت الصمت والسكون والموت.. وحين تخلص منها أنتجت لديه قدرة لم يكن يحلم بوجودها في داخل هذا الجسد!
هذه الأصوات التي تتفجر لدى شخوص غسان.. ليست أصواتا غريبة.. أليس هناك من بذور بعيدة.. وكأنها صوت الأعماق التي يمتد إيقاعها في الواقع لعله يستشرف المستقبل!
وكأنما رأينا غسان يتخلى عن قوته الشديدة على شخوصه فيمنحهم قدرا من الإنصاف.. ولهذا حين أراد أن ينبعث هذا الصوت أو ينبجس في جنبات الصحراء فجره.. فدوّى في الدويه.. لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ وقد أذهلنا عن أنفسنا لم نعد نميز مصدر الصوت وكأنما أحسسنا أنه انبعث من أفواهنا مشاهدين وقراء ومستمعين.. ولئن لم نشعر بذلك فكأنما نحس أنه انبعث عن الراوي أو عن المؤلف أو الكاتب.. وإلا فقد نحس أنه انبعث من الصحراء نفسها.. وقد نحس أنه انبعث من هنا وهناك.. وحين نتبين أنه انبعث في رأس أبي الخيزران نشعر كأن غسان أراد أن يعيدها الى أعماق هذا الشخص حين كان قويا ونقيا وحين كان يجاهد.. فلا ضرورة لأن ينطمس كل هذا الجهاد وكل هذا الضوء في زاوية من زوايا نفسه! كل هذا الحوار تحتمله المواقف في روايات غسان.. أكثر مما تشير إليه التفسيرات القريبة.. من مثل أن أبا الخيزران حين تلقى الضربة من نبأ موت الثلاثة كان النبأ حارا فلم يؤثر فيه.. حتى إذا برد النبأ أحس بوقعه فصرخ صرخته!
هذا تفسير وليس حوارا.. وغسان كنفاني أجدر بالمحاورة منه بالفهم القريب.. لأنه لا يبدع إلا بعد أن يحاور واقعه.. ويحاور فنه.. ويحاور مواده الفنية!
وما قلناه في صرخة أبي الخيزران نقول مثله في (حامد).. حين نفض عن كاهله الخوف.. بعد أن رأى نفسه وجها لوجه أمام جندي صهيوني ضل الطريق في صحراء بئر السبع وضاع عن دوريته فتساوت الظروف تقريبيا في ما بينه وبين (حامد) وأصبحا في ظل وضعين متكافئين.. فتنبهت في عروق حامد كل دواعي المواجهة والإرادة والقدرة على الإمساك بزمام الموقف.. فانقض عليه وأخذ سلاحه.. وأحس أن كل إنسانيته قد رجعت إليه من مكان بعيد بعيد.. ووضع حامد الجندي في موضع معلق بين الموت والحياة وجعله يحس بأن حياته في يد (حامد) متى شاء انتزعها منه!
وكان غسان قد أشار إشارة عابرة مضت في الأعماق.. الى أن هناك بذورا بعيدة لدى (حامد).. إذا جاءت ظروف موضوعية واستحيتها تستطيع أن تستيقظ.. فأبو حامد كان قد مات شهيدا دفاعا عن الأرض!
إن غسان يحاور الظروف في هذه الرواية أكثر مما يحاور الفكر والتوعية والتعبئة والتخطيط.. إنه يتعامل مع الظروف الموضوعية.. والواقع الذي تتيحه الفرص.. حتى زكريا.. على نتنه وخيانته حين دل على الفدائي.. نرى أنه لم يقع في المستنقع.. مستنقع الخيانة إلا لضعفه وخوفه.. فهو وإن بدا شريرا كبيرا.. لا يعدو أن يكون تحت تأثير الخوف والعجز والتعاسة.. حيث له زوجة أولى وخمسة أطفال.. ونحن نحس من طرف خفي أنه لو هيئت له الظروف لعادت له نفسه.. لكن اليأس والعجز جعلا منه كائناً نتناً!
ولقد أصر غسان على أن يضع بين يدي القارئ لهذه الرواية (توضيحا) يقول فيه:
الأبطال الخمسة في هذه الرواية.. حامد ومريم وزكريا والساعة والصحراء.. لا يتحركون في خطوط متوازية أو متعاكسة.. كما سيبدو للوهلة الأولى.. ولكن في خطوط متقاطعة تلتحم أحيانا الى حد تبدو كأنها تكون في مجموعها خطين فحسب. وهذا الالتحام يشمل أيضا الزمان والمكان بحيث لا يبدو هناك أي فارق محدد بين الأمكنة المتباعدة أو بين الأزمنة المتباينة وأحيانا بين الأزمنة والأمكنة في وقت واحد!
إن الصعوبة الكامنة في ملاحقة عالم مختلط بهذا الشكل هي صعوبة معترف بها.. ولكن لا مناص منها أيضا إذا كان لا بد أن تقول الرواية ما اعتزمت قوله دفعة واحدة..>>.
وقد عكف على كتابة روايته هذه بين عامي 1963 و1964.. وإن يكن نشرها تم في عام 1966.. <<وقد نالت جائزة جمعية أصدقاء الكتاب في لبنان.. عن أفضل رواية لعام 1966. وهي أكثر روايات كنفاني إشكالية.. لأنها تحاول أن تجعل من الشكل الروائي ساحة لصراعات الذاكرة والواقع. وقد ترجمت الرواية الى الفرنسية والسويدية والدنماركية>>.
هذا ما أورده الناشر في الطبعة الثانية التي صدرت عن مؤسسة الأبحاث العربية.. مؤسسة غسان كنفاني الثقافية سنة 1980.
ولعل أهمية هذا الزمان ترجع الى ما كان يتردد في أوساط بيروت الأدبية والثقافية قبيل هذه الأعوام وفي أثنائها حول الرواية العالمية.. وأشهر المبدعين فيها.. وبنيتها الحديثة.. وجوائزها.
وكان الحديث يدور في هذا المجال حول (وليم فوكنر).. بعد أن كان جبرا إبراهيم جبرا.. الروائي الفلسطيني.. أول من أطلع القراء العرب على وليم فوكنر.. وذلك حين كتب من أميركا دراسة مطولة عن <<الصخب والعنف>> نشرتها مجلة <<الآداب>> البيروتية في مطلع عام 1959.. وفي أواخر عام 1962 فرغ جبرا من ترجمة كاملة لهذه الرواية.. وكانت معدة للنشر في أواخر ذلك العام. وكان وليم فوكنر قد توفي في السادس من تموز عام 1962. وكان من قبل أي في عام 1950 قد حاز جائزة نوبل للآداب، وقد أحيوا ذكر هذا الروائي الأميركي المتفوق وذكر روايته <<الصخب والعنف>> وبنيتها الفنية الحديثة في بيروت في هذه السنوات سنة 1962 وسنة 1963.
كان فوكنر بين يدي غسان في هذه الأعوام.. بل كانت روايته <<الصخب والعنف>> موضع اهتمام وحوار ومناقشات.. وكان غسان طرفا مشتعلا في هذه المناقشات الثقافية!
وقد عكف فوكنر عامين أو ثلاثة على إقامة المعمار الفني لروايته التي نشرها عام 1929.
وقد اتخذ فوكنر عنوان روايته من صرخة صدرت عن (مكبث) في رواية شكسبير، حين انتحرت (السيدة مكبث) المتجبرة العاتية.. بعد أن ارتكبت هي وزوجها مكبث عبث الحياة غاص في الدماء من أجلها.. فيصيح واصفا إياها:
<<شمعة آفلة.. ظل يتحرك.. ممثل هائج مائج يصرخ مدة ساعة على خشبة المسرح دون أن يسمعه أحد.. حكاية يرويها مجنون.. كلها (صخب وعنف) لا معنى لها..>>.
ويمضي فوكنر يروي عن المجنون حكاية (آل كومبسون) سنة 1699 سنة 1945.. هذه الأسرة التي تتعرض لصراعات داخلية تمزقها شرق ممزق.. وفي الأسرة إخوة ثلاثة يسردون الوقائع كل على طريقته.. ويعارضها بسرد الوقائع ذاتها في أسلوبه الخاص.. وتتوازى سبل السرد وأحيانا تتقاطع. ولعل الجزء الثاني من الرواية يلفت النظر الى رواية (كونتن) للأحداث التي تنتهي بقصة انتحاره.. وقد وضع فوكنر كل قدراته في التحرك بين أطراف الزمان ومستويات الوعي واللاوعي.. إنها معجزة فوكنر كما يقول جبرا إبراهيم جبرا.. بل يقول إنها من أعجب ما كتب في الأدب!
وينتهي كونتن جثة يلتهمها النهر.. وقد ثبتت فيها ثقالتان من الحديد لتبقي عليها في القاع انتظارا ليوم البعث.. يوم القيامة.. يوم ينفخ في الصور!
وفي الرواية إشارات ذات دلالات حول اللعنة التي حلت بالأسرة حين تخلى رب الأسرة عن الأرض الموروثة وباعها لينفق على ابنه كونتن في هارفرد وعلى زفاف ابنته كادي.. وينتحر كونتن قبل أن ينهي عامه الأول في جامعة هارفرد.. ويتم طلاق كادي.. وسقوطها في عالم الدعارة.. وتتقطع الروابط وتقوم المؤامرات بين الابن والأم وابنة الأخت بسبب المال.. ويعلل فوكنر كل هذا الدمار بتعلق أصحاب الأرض بحياة المدينة التي يدينها ويراها موطن الشر والفساد.
ويقيم فوكنر عالما من الخطوط المتقاطعة في الزمان.. خط يمثل الحاضر.. ويتداخل الأمس باليوم.. وجعل لصوت الزمن دقات تنبعث من الساعات المتعددة.. حيث وضع ساعة في البيت المدمر.. وساعة على الطاولة في غرفة كونتن في جامعة هارفرد.. وساعة في جيب كونتن.. وساعة في دكان الساعاتي تدق دقاتها.. وساعة في البرج في ميدان (جفرسن) عاصمة المقاطعة في جنوب الولايات المتحدة.. وتدق الساعات لتثير في سمع الوعي صوتا منبها مقلقا مثيرا حيث يأخذ منه كل فرد معنى غير الآخر...
وينتهي الزمان بهذا البيت الكبير الى أن يصبح بنسيونا (نزلا) ينزل فيه صغار الفلاحين.. إنها رواية الخراب والدمار والسقوط والانتحار والقتل والقسوة والخيانة في أحلك الليالي المأساوية.. بحثا عن خلاص نفسي <<يلوح ويختفي في غابات جفرسن النائية من مقاطعة يوكناباتوفا.. لصاحبها ومالكها الأوحد وليم فوكنر>>.
وكان فوكنر قد قال يوم تكلم حيث تسلم جائزة نوبل:
<<خوف خوف خوف يملأ الكون كله.. يلقانا في حياتنا.. لم نعد نقوى على تحمله.. ولم يعد يلوح لنا غير سؤال واحد: متى سأتفجر ويتفجر وجودي..>>.
مثل هذه الأصداء كانت تتردد في سماء بيروت الثقافية في أوائل الستينيات وكان غسان على بينة من أمرها.. وكان غسان يتأهب ليبدأ روايته <<ما تبقى لكم!>>.
وقد أحست الدكتورة <<رضوى عاشور>> بظلال لهذه الأصداء حين قالت: إن غساناً يتبنى في رواية <<ما تبقى لكم>> شكلا تجريبيا يعتمد فيه على استخدام تيارات الشعور المتداخلة لشخصياته.. وعلى التجريد.. وإدخال الزمان والمكان شخصيتين أساسيتين في الحدث.. ومن الواضح أن غسانا في اتجاهه التجريبي هذا كان متأثرا الى حد بعيد بإنجازات الرواية الأوروبية والأميركية في الثلث الأول من هذا القرن وخاصة برواية <<الصخب والعنف>> للكاتب الأميركي (ويليام فوكنر). ولقد أقر غسان بهذا التأثر في حديث إذاعي أعيد نشره في مجلة (الهدف) بعد استشهاده قال:
<<.. بالنسبة لفوكنر.. أنا معجب جدا بروايته <<الصخب والعنف>>. وكثير من النقاد يقولون إن روايتي <<ما تبقى لكم>> هي امتداد لهذا الإعجاب ب<<الصخب والعنف>> وأنا أعتقد أن هذا صحيح.. أنا متأثر جدا بفوكنر.. ولكن <<ما تبقى لكم>> ليست تأثرا ميكانيكيا بفوكنر.. بل هي محاولة للاستفادة من الأدوات الجمالية والإنجازات الفنية التي حققها فوكنر لتطوير الأدب الغربي>> (غسان كنفاني: في آخر لقاء إذاعي الهدف السبت 15 أيلول سنة 1973 العدد 129 المجلد الخامس ص 18).
هذا الإحساس لدى الدكتورة رضوى إحساس صادق.. وهذا الإقرار من غسان إقرار صحيح. وهذه الساعة النعش المعلقة أمام السرير في غرفة مريم في رواية (ما تبقى لكم) تبدو كالساعة لدى كوينتين في <<الصخب والعنف>>.. مقبرة كل الآمال.. غير أن الزمن المتطور والظروف المواتية الموضوعية تنتشل ساعة (مريم) وساعة (حامد) من دقات العجز الناتج عن حصار الماضي الكئيب.. الى دقات الفعل والمواجهة ونبذ الخوف والعجز والهزيمة..
إن أسرة فوكنر تنتهي الى الدمار والانهيار بينما الأسرة لدى غسان تنتهي الى التحرر والانعتاق.
وأنا أرى كأن غسانا أراد أن يقدم للمثقفين والدارسين والنقاد والمتحذلقين بنية روائية مثقفة مركبة حديثة متحذلقة تحديا لهم وتشكل معارضة لبنية الرواية لدى فوكنر!.. وإذن فهي في تقديري أشبه بالمعارضات في مجالات الأدب والشعر!
ولا ضير على المعارض من استعارة العديد من الإنجازات الشكلية وأقول التشكيلية لأنه سيلجأ حينذاك الى إعادة صياغتها من موقعه هو وزاوية رؤيته هو وموقفه هو وفكره الفلسفي الاجتماعي الواعي هو.. وحواره هو معها.
لقد أعاد غسان تشكيلها وعجنها وخبزها مع <<خصوصيته الفلسطينية>> على حد تعبير الدكتورة رضوى عاشور التي تقول في هذا الصدد:
<<.. كان غسان كاتبا واعيا بحرفته.. وجريئا في إقدامه على التجريب الشكلي.. ولكن هذا الإقدام لم يتخذ شكل المغامرة غير المسؤولة.. لقد استخدم تيارات الشعور المتداخلة في روايته <<ما تبقى لكم>> فجاءت الرواية إنجازا شكليا استقبله العديد من النقاد بالترحيب!>>.
وقد كان غسان نفسه يرى في هذه الرواية قفزة من ناحية الشكل.. ولكنها أثارت في الوقت نفسه تساؤلات لغسان: لمن يكتب غسان؟ فهذه الرواية لا يستطيع قراءتها إلا نفر قليل من المثقفين العرب.. فهل تراه يكتب من أجل أن يقول أحد النقاد: غسان يكتب رواية جديدة.. أم تراه يكتب من أجل أن يصل الى الناس.. ومن أجل أن تكون هذه الرواية شكلا من أشكال الثقافة الموجودة في المجتمع العربي والتي من واجب المثقف التعامل بها مع الناس؟ إنه ليس مفتونا بها بالدرجة الأولى.. ولكنه يقول إنها مهمة في حياته الأدبية لأنها أثارت لديه هذا السؤال الحار وهذا الحوار المشتعل.. وقد أجاب عن السؤال في روايتين صدرتا بعد رواية <<ما تبقى لكم>>.. هما <<عائد الى حيفا>> و<<أم سعد>>.. حيث نهج فيهما نحو التبسيط الذي يهمه أمره قبل أن يهمه أمر تحقيق إنجازات في الشكل.. لأنه السبيل الى الوصول للقارئ العربي:
<<.. ففي المرحلة التالية.. إذا استطعت أن أقول الأشياء العميقة ببساطة فأكون في الواقع راضيا عن تطوري لأنني أعتقد أنه ليس بالضرورة أن تكون الأشياء العميقة معقدة وليس بالضرورة أن تكون الأشياء البسيطة ساذجة.. والإنجاز الفني الحقيقي هو أن يستطيع الإنسان أن يقول الشيء العميق ببساطة!>>.
إن غساناً أحس بخطورة ما أقدم عليه حين تحدى إعادة تشكيل الإنجازات الشكلية الأوروبية ليمزجها في إيقاع عربي فلسطيني خاص.. ويخرجها من دائرة العبثية الى مجالات الواقع الموضوعي والظروف الحياتية المؤاتية!
لقد استطاع غسان بمعارضته وتحديه أن يطوع الحديث الداخلي والإيقاع الذي ينبض في النفس الداخلية والتداعي وتلاقي النبض الخارجي وتقاطعه مع النبض الداخلي.. هذا التيار.. تيار الشعور الذي اتخذه الكتاب الأوروبيون في النصف الأول من القرن العشرين واشتهر به جيمس جويس وفرجينيا وولف. حيث استطاعوا به اختراق الواقع النفسي والفلسفي للإنسان الأوروبي المأزوم <<في ظل رأسمالية القرن العشرين>>.. أجل لقد استطاع غسان أن يسخر تيار الشعور لخدمة أهداف الفن الجماعي والفن الواقعي ما دام الفرد لدى غسان هو ضمير الجماعة..
وقد عاد غسان لهذا الأسلوب في روايتين من رواياته التي استشهد قبل أن يكملهما وهما (الأعمى والأطرش) و(العاشق). وتقول رضوى في هذا الشأن:
<<.. استخدم غسان أسلوب تيار الشعور في رواية (الأعمى والأطرش) لأن الرواية تقدم لنا وجهتي نظر أعمى وأطرش.. والعزلة مفروضة على كليهما بسبب عجزه.. إن عزلة هاتين الشخصيتين تجد تعبيرا موفقا في هذا الأسلوب.
أما رواية (العاشق) التي لو اكتملت لربما صارت من أعظم أعمال غسان فتقدم لنا صورة الكادح الفلسطيني الذي شارك في الحركات النضالية في البلاد طوال الثلاثينيات.. والعاشق كشخصية إنسان متفرد ومميز ومستوحد، ومن هنا فتقديمه من خلال تيار شعوره مناسب تماما ويتداخل هذا الأسلوب طوال الرواية مع أسلوب السرد التقليدي على لسان الراوية العارف بكل شيء. ويعكس تداخل الأسلوبين تفاعل الذات مع الموضوع اللذين يخلقان معا العالم الموضوعي للرواية.. لقد قدم غسان في كل من (رجال في الشمس) و(ما تبقى لكم) رسالة محددة في شكلها وتقدمية في مضمونها الى أبناء شعبه.. ألا وهي عقم الخلاص الفردي وعقم الاستمرار في سجن الماضي>>.
ونحن نقول إن هذه الأساليب.. التيار الشعوري وسواه.. يستطيع أن يستعملها أي كاتب في أية مدرسة أدبية.. فإذا كان رومانسيا استعمل هذه الأساليب من موقعه وموقفه وزاوية رؤيته وفكره الاجتماعي.. وإن كان واقعيا استعمله من موقع آخر وموقف آخر وزاوية أخرى وفكر اجتماعي مغاير.. وكل فرد له عالمان خارجي وداخلي.. والعلاقة بينهما في نوعها تتحدد بتحديد المواقف التي يصدر عنها الفرد أو تصدر عنه.. والعلاقة بين الخاص والعام موجودة على الدوام لدى جميع الشخوص.. ومحاولة الإنسان المد في بعده الذاتي ليصل الى الإنسان الكلي يحتاجا إيقاعا داخليا وإيقاعا خارجيا.. يحتاج الى النبضين!
ومن هنا نقول إن تيار الشعور ليس وقفا على فئة من الكتاب دون غيرها! ولا على مدرسة إبداعية دون غيرها.
ولعلنا بهذا نكون قد أثرنا مواطن للحوار في رواية (ما تبقى لكم) ورواية (رجال في الشمس) ولم نعمد الى التلخيص الذي يخل بقيمة العمل الإبداعي.
ولعلنا لحظنا أن غسانا في هاتين الروايتين قد ابتدأ من البؤرة من حيث بنية الرواية.. فقد فجر الحدث في قلب العمل.. ثم بدأ يمتد ويلقي بخطويه ويفتح قنواته ويشق دروبه ويشير الى أسهم السير ويضيء الأخضر والأحمر أحيانا في تقاطع الخيوط والتقاء الدروب.. وإذا نحن أمام شبكة من الشخوص والأماكن والأزمنة والأحداث.
هذا الانطلاق من البؤرة الساخنة يحمل في ذاته حرارة المواقف الدرامية.. ولكن غسانا رغم كل هذا يظل قصاصا روائيا وليس مسرحيا. وإن تكن الفنون الحديثة تأخذ بقدر من كل نفس إبداعي ونبض فني أو إيقاع أدبي، إنها إحدى ملامح الأدب الحديث أن ينتفع الفن الواحد بمقومات الفنون الأخرى.
ولعل اهتمام غسان فتفجر البورة في أول العمل الروائي والانطلاق من الموقف الساخن بعد أن يضعه في دائرة الضوء.. لعل ذلك لعدم قدرة غسان على الصبر أولا.. أو على تسخين الأحداث ببطء.. ثم لعله بسبب موقعه من الواقع الحار المصيري حيث يزج بنفسه دوما في الخط الأمامي من قضايا الإنسان العربي الفلسطيني ولا يقبل أن يتلقى أنباء الأحداث من سواه!
هذا الحضور في الخط الأمامي جعل الابتداء بالبؤرة لتكون المنطلق في روايات غسان.. بل لعل تبادل الحضور هو الذي أخفى علينا أي الحضورين سبق الآخر.. والأغلب أن العلاقة بين الحضورين جدلية!
ولعل التمرس بالكتاب والكتابات الواعية قد دفع بغسان الى الفعل والممارسات المتقدمة! ثم أصبحت المسافة بعد ذلك ملغاة!
من أجل ذلك نرى أنه ابتدأ بالموقف الحار.. موقف المواجهة.. وقد توحد بالأرض.. بالصحراء.. وأعانه هذا التوحد على الخلاص من الخوف ومن العجز ومن الإحساس بالضياع.
<<.. وفجأة جاءت الصحراء.. رآها لأول مرة مخلوقا يتنفس على امتداد البصر.. غامضا ومريعا وأليفا في وقت واحد.. واسعة وغامضة.. ولكنها أكبر من أن يحبها أو يكرهها.. لم تكن صامتة تماما وقد أحس بها جسدا هائلا يتنفس بصوت مسموع.. وفجأة انتابه الدوار وهو يغوص فيها.. وأخذ يغوص في الليل مثل كرة من خيوط الصوف المربوط أولها الى بيته في غزة، طوال ستة عشر عاما لفوا فوقه خيطان الصوف حتى تحول الى كرة.. وهو الآن يفكها تاركا نفسه يتدحرج في الليل: <<كرر ورائى: زوجتك أختي مريم.. زوجتك أختي مريم.. على صداق قدره.. على صداق قدره.. عشرة جنيهات.. عشرة جنيهات.. كله مؤجل.. كله مؤجل>>، ثم أخذت العيون تأكل ظهره وهو جالس أمام الشيخ.. كل الذين كانوا هناك كانوا يعرفون أنه لم يزوجها وأنها حامل، وأن الكلب الذي سيصبح صهره يجلس الى جانبه يضحك من أعماقه بصوت مسموع.. كله مؤجل.. طبعا.. فالمعجل هو جنين يخبط في رحمها. وخارج الغرفة أمسكها من ذراعيها: لقد قررت أن أترك غزة!>>.
بكل تلك الشاعرية.. وكل تلك الصور التي لا تصدر إلا عن رسام.. وبكل هذه البراعة في جعل الشخص الفرد نمطا للمجموع.. ومن هذه البوابة التي تحمل شعار الموقف الاجتماعي.. فجر غسان قضيته السياسية المصيرية بعد مضي ست عشرة سنة على بدء النكبة.. في رواية (ما تبقى لكم) واستخدم كل الأساليب الحديثة متحديا معارضا موفقا متفوقا.
ومضى ينسج خيوطها ويفك حبال الصوت المتكورة.. حتى انتهى بها الى الموقف الحار المتدفق دما.. خيطا من الدم هنا وهناك.. ونزيز الدم يتدافع حول النص:
<<.. هل حسبت أنني تزوجتك لتنجبي لي ولدا أيتها العاهرة؟!.. اسمعيني وقولي غدا إن زكريا قال: إذا لم تستطيعي إسقاط ذلك القواد الصغير.. إذا لم تستطيعي إسقاطه فأنت طالقة.. طالقة.. طالقة.. هل تسمعين؟ طالقة.. وأمامه مباشرة كان صوت آخر ينبع من داخل جسدي ويدوّي هناك مرتدا في رأسي الى ألف صدى كأنه نباح كلب مجروح.. طبّ فوقه برميل معدني فارغ! ليس بوسعنا التخلص منه بعد.. ليس بوسعنا التخلص منه بعد.. وفجأة تكشف لي وأنا واقفة أنه ليس بوسعي أيضا التخلص من زكريا.. وكان حامد يبتعد.. يدق فوق جباهنا خطواته العنيدة بلا رحمة.. فيبدو وقد ذوبه المدى.. ولم يتبق منه إلا أصداء خطواته العنيدة التي لا تنتهي.. آخر قطار غادر المحطة المهجورة وتركنا على رصيفها المحطم.. نستمع الى صوت الصمت المفعم بالغربة والوحشة والمجهول يدق.. يدق.. يدق!>>.
ثم بكل دراية وبراعة يرسم لنا صورتين من المواجهة تتطابقان.. مواجهة حامد في الصحراء للجندي الصهيوني الذي تاه عن دوريته فوقع بين يدي حمد ونزع منه بندقيته ومطارته.. ومواجهة مريم لزكريا:
<<.. وانبثق الضوء فجأة فبدت الصحراء النائمة.. أشد صمتا وانتظارا.. ومن جديد عاد الدم ينساب في عروقي (عروق حامد ومثله في عروق مريم) مرة أخرى. وكان هو (الجندي الصهيوني) قد استسلم الى جانبي مرهقا.. وحاول أن يقف إلا أنه لم يستطع.. فأخذ ينظر إليّ محاولا أن يقول شيئا.. وبادلته النظر ببرود.. وأخذت أمرر نصل السكين فوق حافة حذائي.. فيصدر صريرا متطاولا.. واستطعت أن ألتقط في أعماق عينيه.. خوفا حقيقيا وانتظارا مهيضا بائسا.. كأنه أحس بانتصاري الصغير المتوحد.. وبذل محاولة ليزحف على مؤخرته.. وقلت له ببطء محاولا كل جهدي أن يفهم: لتمت عطشا.. ولكنه مضى يشير بعنقه الى المطارة المعدنية من جديد. وبدا ظامئا حقا.. فتناولتها وهززتها قرب أذني فاصطفق داخلها ماء قليل إلا أنني لم أفتحها. وبعد لحظة قذفتها الى حيث كانت مرة أخرى. ونظرت الى وجهه وشفتيه المفتوحتين تموجان بالغضب المشلول. وقلت له مرة أخرى ببطء: <<لتمت عطشا.. لتمت عطشا.. وأخيرا قرأت على ختم ليلكي صغير في أسفل الهوية.. حروفا لاتينية جاءت واضحة الى جانب حروف عبرية ملتفة على بعضها: يافا، طويت الأوراق بعناية ووضعتها في جيب سروالي.. وجلست أمامه مباشرة.. وكان ينظر إليّ بحذر وترقب محاولا استكشاف خطتي.. ولكن الأكيد هو أنه لم يكن ليستطيع، ذلك أنني أنا نفسي كنت أجهلها.. ثم قلت له: هيا.. كن رجلا طيبا ودعنا نتحدث عن يافا، إن الانتظار الصامت لن يأتي إلا بالرعب!.. لكنه ظل يحدق.. كأنه لم يفهم شيئا!.. هيا! كيف انتهى الأمر بكل ذلك الحي الذي كان يمتد بين جامع الشيخ حسن وحمام اليهود المحروق في المنشية؟!.. وجلست مرة أخرى الى جانبه.. وفرشت أمامه كفي لأقول له إنه ليس ثمة ما بوسعنا فعله.. ولكن بدل أن ينظر إلى كفي.. مضى يراقب السكين التي أخذ نصلها الفولاذي يتوهج في الضوء ملقاة بين قدمي.. فتناولتها وسحبت نصلها من جديد فوق حافة حذائي فانطلق الصرير المحذر كأنه عويل أخير.. وعندها فقط نظر إلى عيني.. ولمحت في وجهه من جديد تلك المسحة الخرساء من الرعب العاجز فأدركت أنه سيكون بوسعي ذات لحظة أن أحز عنقه دون رجفة واحدة.. وأن هذه اللحظة ستأتي لا محالة.. تحت وقع البريق المرعوب في عينيه.. وصرير نصل السكين فوق حذائي.. والشمس اللاهبة التي كانت تجلد مؤخرة عنقي بلا هوادة>>.
ويترك أمر هذه اللحظة للظروف دون أن يحسم أمرها، أجاءت أم لم تجئ في ذلك الوقت.. ولكنه يضع في المرآة الاجتماعية صورة منعكسة عنها.. حيث تقوم مريم بحسم الأمر.. وتتخلص من زكريا:
<<.. كان النصل مندفعا من بين كفي المحكمتي الإغلاق، وأحسست به حين ارتطمنا يغوص فيه.. كان النصل يغوص في عانته فوق فخذيه مباشرة.. وحاول أن ينتزعه إلا أن كفيه اللتين أخذتا تزرقان وترجفان عجزتا عن الإمساك بالمقبض.. فانحنى واستند بذراعيه الى الطاولة فيما أخذ الدم يبلل سرواله وينتشر قانيا لامعا فوق ساقيه.. ثم شخر كأنه يصحو من نومه.. وتناهى إليّ صوت نزيز الدم يتدافع حول النصل.. ثم انتفض وتساقط وتكوم بين قدمي الطاولة.. وأضاء شعاع الشمس الضيق المتسرب من النافذة خطا رفيعا من الدم يزحف برأس مدبب.. وسط بلاط المطبخ الناصع البياض.. ودوى صوت الصمت فجأة.. حين أخذت الكلاب خارج النافذة تنبح نباحا مسعورا لا ينقطع، ولم تصمت إلا حين جاءت خطواته مثلما كانت دائما خارج ذلك النعش المعلق فوق الجدار (الساعة): تدق في جيبي إصرارها القاسي الذي لا يرحم.. تدق فوقه مكوما هناك قطعة من الموت.. تدق.. تدق.. تدق>>.
أترى كيف كان غسان وأبطال غسان حينذاك يستجيبون لحركة الظروف الموضوعية المؤاتية؟
أتراهم كيف لم يكونوا حينذاك يعرفون ما هي الخطة.. تلك الخطة التي لم تنكشف لهم إلا في المرحلة الثالثة من مرحلة الحركة الفلسطينية ومن مرحلة المسيرة الروائية في إبداع غسان؟
أرأيت كم كان الانتظار الصامت مقيتا.. لا يثمر إلا الرعب؟!
وهكذا رأينا أنه لا شيء يعوض عن الاتصال المباشر بهذا الإيقاع النابض في العمل الروائي الغساني وحواره.. حيث نشاهد فيه براعم <<الانتصار الصغير المتوحد في الحالين>>.. الحال السياسية.. والحال الاجتماعية.. والعلاقة بينهما جدلية جدلية.. ولكنه بداية تفجير للتخطيط والتوعية والتعبئة من أجل انتصار كبير كبير لحركة تحرير .شعبية تحمل عبء القضية
فريدة النقاش