ذكريات مع غسان كنفاني
أمين فرع سوريا لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين
لو عدنا بذاكرتنا التاريخية إلى الوراء، وحاولنا أن نتذكر العمليات التي نفذها الموساد الصهيوني منذ العام 1948م وحتى الآن، فسنجد الوقائع الأساسية التالية:
هناك واقعتا اغتيال الرائد مصطفى حافظ في غزة وكان قائداً لكتيبة الفدائيين التي تشكلت عام 1955م، وفي موازاتها أيضاً كانت عملية اغتيال المقدم صلاح مصطفى في السفارة المصرية في الأردن، وكان يشرف على الفدائيين الذين ينطلقون إلى فلسطين المحتلة، بعد ذلك كانت وقائع الطرود الملفوفة التي أرسلت الى العلماء الألمان الذين كانوا يتابعون برنامج إنتاج الصواريخ المصرية التي عرفناها شفوياً باسم الظافر والقاهر..، بعد ذلك جاء اغتيال غسان كنفاني ليكون بداية سلسلة الاغتيالات التي وجهت لقيادات معينة في الساحة الفلسطينية، حتى اغتيال (أبو جهاد) خليل الوزير رحمه الله لم يكن منفصلاً عن واقعة واحدة في سجل نضال أبو جهاد الطويل، هي أنه نجح في إعداد خلية فدائية وصلت الى النقب، وبالذات الى الطريق المؤدي الى المفاعل النووي في ديمونة، وهاجمت سيارة باص على ذلك الطريق، فكانت تلك العملية النوعية بهدفها سبباً للاغتيال.
هذا الأمر يجعلنا نتساءل.. لماذا اختير غسان كنفاني ليكون أول الشهداء الذين استهدفهم الموساد الصهيوني؟ لا شك في أن الموساد الصهيوني قرأ في غسان كنفاني أشياء ربما كانت غائبة حتى عن تفكيرنا وحساباتنا نحن بالنسبة لقيم القادة والرجال!
عرفت غسان كنفاني كاتباً في جريدة المحرر اللبنانية وكنت أراسلها منذ كنت طالباً في قطاع غزة، وكانت تنشر لي فيها مواد ما بين الحين والحين، أحياناً باسمي الصريح وأحياناً أخرى باسم رائد غنيم، حينها كنت أتابع كتابات غسان بعد ذلك، ثم كتاباته في <<الحرية>> وتعرفت عليه بصفة شخصية ومباشرة ربما قبل أربعة أو ثلاثة أسابيع فقط من واقعة اغتياله حين صرت وإياه عضوين في اللجنة الإعلامية ل<<م.ت.ف.>> في بداية تشكيلها في بيروت، وكان رئيس هذه اللجنة الشهيد كمال ناصر.
من خلال لقائي المباشر بغسان، اتضح لي شيءأساسي فغسان ليس من النوع الصدامي في قضايا الفكر والتحالف، إن كان في الجبهة الشعبية أو في إطار حركة القوميين العرب، ومثله أيضاً الدكتور أنيس صايغ يشكلان نمطاً خاصاً من الرجال الذين يغلبون الفكر على العاطفة والذين يبحثون عن القواسم المشتركة في العلاقة مع باقي القوى، أكثر مما يبحثون عن قضايا الخلاف.
مثل هذه العقلية التي تميز بها غسان وتميز بها أنيس صايغ أعتقد أنها كانت تشكل سبباً ملائماً لكي يكون كل واحد منهما هدفاً للاغتيال، ولكي تبدأ عملية الاغتيالات بغسان كنفاني.
ونفس الأمر يمكن أن ينطلق على الشهيد كمال ناصر رحمه الله الذي كان بمثابة حمامة السلام في الساحة الفلسطينية، الرجل الذي يجمع ولا يفرق، يحاول أن يقرب وجهات النظر في كل اللقاءات والاجتماعات في بحث جميع المسائل.
إذن.. نستخلص من هذا أن العدو (وهذا أمر ثابت في استراتيجيته التي تقوم على التشتيت الاستراتيجي، على تفتيت الطرف العربي)، كان يهمه تفتيت العمل الفلسطيني المقاوم، كان يهمه أن تظل هناك أسوار وفصائل متعددة ومتناحرة ومتسابقة، بحيث من خلافاتها هذه ومن تعددها ومن الفوضى التي تنتج عن الخلافات وتعدد الاجتهادات تكون فرص العدو أكبر للنيل من الساحة الفلسطينية، وعلى أساس هذه القاعدة رسم الموساد خططه التنفيذية لتحديد مَن من القادة الفلسطينيين يوضع على قائمة الاغتيالات والتخلص منه أولاً، وبالتالي تجريد الشعب الفلسطيني من الطاقة الفكرية التي يمثلها هذا القائد، ومن القدرة التوحيدية التي يشكلها في الساحة الفلسطينية وفي المرحلة التي نعيش فيها الآن، وصلنا في الواقع الى ظرف يتحدد فيه شرط آخر من قبل الرئيس الأميركي بوش حددهما على أساس رؤية طرحها شارون وطرحتها الجهات المحددة للاستراتيجية الصهيونية، هناك الطلب الأول تغيير القيادة الفلسطينية أو بالأصح تغيير عقلية القيادة الفلسطينية، طبعاً هم لا يريدون تغيير هذه العقلية بالاتجاه الذي يريده الشعب الفلسطيني، وإنما يريدون تغيير هذه العقلية بالاتجاه الذي يريدونه هم والذي يكون بالتالي مستعداً للتنازل والمساومة والتعايش مع الاحتلال بكل شروطه وفق سياسته القائلة بالاحتفاظ بالأرض دون السكان، وهناك الشرط الثاني وهو التخلص من المقاومة، وما يقوم به العدو عملياً على أرض الصراع هو محاولة منه للوصول الى ما يسمونه بالمطلوب رقم (1)، لقد كان المطلوب رقم (1) يحيى عياش كمهندس في صنع المتفجرات وترتيب العمليات، ثم تتالت سياسة الاغتيالات الصهيونية للقادة الفلسطينيين، حتى أصبحنا الآن أمام المطلوب رقم (1) ثم الخمسين ثم المئة وهكذا سيبقى هناك المطلوب رقم (1) ما استمرت عمليات المقاومة الفلسطينية، لكن على صعيد القيادات الفلسطينية، وعلى صعيد الفكر الفلسطيني.
كان الفاعل في الساحة الفلسطينية غسان كنفاني هو المطلوب رقم (1) لذلك حين نستذكر واقعة اغتيال الشهيد غسان كنفاني، فإننا في الواقع نستذكر كل السلسلة من أولها وحتى النهاية.. هذا إذا كنا قد بلغنا النهاية.. لأن الصراع قائم ومستمر، وفي كل يوم يسقط شهيد وكل هؤلاء الشهداء لهم ما لغسان وغسان كان لهم.. وهم منا ونحن منهم.. وهذه مسيرتنا، وأعتقد أن درس عقلية غسان.. أسلوب غسان.. فكر غسان.. مقالات غسان السياسية والأدبية من شأنها أن تغنينا في تصور ما يجب أن تكون عليه الحال في إعادة ترتيب أوضاع نضالنا الفلسطيني وصولاً إلى أفق أفضل.
عبد الرحمن غنيم