لماذا اغتيل غسان كنفاني؟
في الثامن من تموز سنة 1972، كنت أزور بعض أقاربي في مخيم الجليل المجاور لمدينة بعلبك اللبنانية. وعند الظهر أو زهاء ذلك، أعلنت أجهزة المذياع نبأ استشهاد غسان كنفاني، الذي امتدت إليه يد الغدر تماما عندما بلغ ذروة النضوج. وحين انتشر الخبر بين الناس شاهدت في الوجوه حزنا لا يبزه أي حزن آخر، من حيث الأصالة والصدق، سوى ذلك الحزن الذي سبق لي أن رأيته في الثامن من نيسان سنة 1948.
لم يقيّض لي أن أشاهد غسان كنفاني، الذي هو أكبر مني بسنتين فقط، ولم أكن قد طالعت سوى النزر اليسير من مؤلفاته قبل يوم استشهاده. ولكنني أدركت فور سماعي للنبأ الفاجع أن الرجل لا بد له من أن يكون كاتبا وطنيا شديد الأهمية وعظيم القيمة، وإلا لما اغتاله أولئك اليهود اللئام، قيوح التاريخ المنتنة، الذين أدمنوا كل صنف من أصناف النذالة والخبث، كما أدمنوا التخطيط للأعمال الخسيسة، والتآمر الحقير في حلك الظلم، ولهذا، فقد رحت أبحث عن مؤلفاته وأقرأ كل ما وقع منها تحت يدي.
وبعد ذلك بمدة من الزمن كتبت مقالة مطولة له عنوانها <<غسان كنفاني روائياً>>، ونشرتها في مجلة <<المعرفة>> الدمشقية، وذلك سنة 1977. ثم نشرت مقالة أخرى في إحدى الصحف، وكانت تدور حول الشعور المأساوي في أدب غسان، وفي عام 1985 جمعت المقالتين معاً في كتيب صغير عنوانه <<رعشة المأساة، دراسة في أدب غسان كنفاني>>، وقد صدر عن دار منارات في عمان. ولست أعرف كتابا مكرسا لغسان قبل ذلك الكتيب الصغير.
ولقد نشرت عدة مقالات صغيرة أخرى حول ذلك الكاتب الشهيد، ولا سيما في مناسبات استشهاده. كما كتبت دراستين مخصصتين لقصصه ومسرحياته، ونشرتهما منذ زمن بعيد. ولكني أعدت كتابة المقالة الثانية المكرسة لمسرح غسان، وسلمتها لمجلة <<المعرفة>>. وفي نيتي أن أضيف هاتين المقالتين الى الكتيب الآنف الذكر الذي أرجو أن أتمكن من إعادة نشره في زمن قريب.
لماذا اغتيل غسان كنفاني؟.. لأنه كان يؤمن بأن دويلة اليهود التافهة ينبغي أن تزول من الوجود. لهذا السبب حصرا امتدت إليه أيدي الصهاينة اللئام الذين تمكنوا من تسخير الغربيين في خدمة مشروع زائف يهدف إلى إنشاء صنف من أصناف الغيتو على شطر صغير من الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط. ومن أجل إنجاز هذا المشروع التافه استطاعوا أن يحشدوا جميع القوى العظمى في هذا العالم الخسيس.
فيا له من كيان مصطنع أنجبه كتاب إجرامي سافل اسمه التوراة. يقيناً، إن ذلك الكتاب هو أحقر الكتب التي ألفها الجنس البشري منذ فجر التاريخ وحتى يوم الناس هذا. ولهذا، فإن الغيتو الصهيوني الشاذ لا يساوي عند ذوي الألباب أكثر من قشرة بصلة، كما يقول أهل قريتنا يوم كانت لنا قرية. ففي صلب الحق أنه خرط كلاً من العرب واليهود في محنة لا يلوح في الأفق أي مخرج منها حتى الآن.
ولكن أهم ما في أمر ذلك الغيتو الحقير أنه يعيش على نحو طفيلي مثل الأشنيات. وعندي، أن المصدر الأكبر لتمويله هو ما ينهبه الغربيون من نفط العرب المستكينين للأميركيين استكانة الميت بين يدي الغاسل. لقد كانت ميزانية الغيتو الصهيوني أربعة وستين مليارا من الدولارات سنة 2001، فمن أين جاء اليهود بهذا المبلغ الباهظ؟ ويبدو لي أن حصة الصهاينة من نفط العرب تساوي حصة البلدان العربية كلها من النفط نفسه. ومن اعترض على هذا النهب الفظيع فهو عدو للحرية والحضارة والديموقراطية، كما أنه أصولي وإرهابي يستحق الموت والزوال من الوجود.
ومن الغرائب أنني لا أعرف أحداً قد تنبّه لميزانية الغيتو الصهيوني وللدلالة المريعة التي تنطوي عليها. ولكن الأمر يتلخص على هذا النحو الوجيز: لقد بنيت دويلة اليهود التافهة بإرادة العرب (إن كان للعرب إرادة)، وكذلك على أرضهم وبأموالهم، أي إن الحقيقة هي على النقيض تماماً مما يتبيّن فوق سطح الأشياء. فأية مؤامرة قذرة تلك التي تجري في منطقتنا منذ زمن لا يسعني تحديده تخميناً؟!!
ولا بأس في التأكيد من جديد على أن غساناً قد اغتيل لأنه كان ملتزماً بأفكار التيار الفلسطيني الأصلي الذي يؤمن إيماناً نهائياً بأن اندثار الغيتو الصهيوني وتدميره وإزالته من الوجود هو حتمية تاريخية لا بد منها، ويتوجب على الفلسطيني أن يعمل من اجل إنجاز هذه الغاية العظمى، ولو بعد ألف سنة. وهذا يعني أن على البرامج السياسية الفلسطينية، وهي عندنا موضع ريب، أن تتبنى قضية فلسطين على نحو جذري حاسم، فإما الذكورة وإما الأنوثة في هذا الوضع التاريخي العسير. ولا وساطة بتاتاً. أما الحال الخنثى التي تعيشها القيادة الفلسطينية ولا سيما أولئك الذين هندسوا معاهدة أوسلو الشائنة، فلن تفضي إلا الى مزيد من إذلال الشعب الفلسطيني. ففي أوسلو وقع الفلسطينيون على صك استسلامهم، وهم صاغرون، ولكنه صك وقعه أناس الفنادق.
ولهذا، فإن فكرة التعايش مع اليهود هي فكرة خنثوية جزما، بل إنها مغلوطة من جذورها بكل تأكيد. ففي الحق أن شايلوك يأخذ ولا يعطي، كما أنه لا يتعايش مع أحد، ولا يقبل الفلسطيني الا ميتا أو راكعاً وحسب.. ولقد اثبتت أحداث هذه السنة أن الفلسطينيين ما نالوا سوى الأوهام بعد اوسلو.
اطرحوا هذه الفكرة المخنثة الى سلال القمامة، ونبهوا المستخذين الراكعين أمام اليهود، أقصد أولئك الخنثويين الذين لا أراهم ذكورا ولا إناثا، ولكم صدق ذلك الفيلسوف اليونني حين قال <<أعدل الأشياء المعركة>>.
.رحم الله شهداءنا جميعا والخلود لكاتبنا الشهيد غسان كنفاني
يوسف سامي اليوسف