..ثلاثون تموز
يقولون إن الولد قطعة من الكبد!.. فهل بقيت في أجساد بني وطني أكباد؟..
تحملني أجنحة طيور من يافا.. إلى عكا، وتزفني إلى الفيحاء..
آه يا حبيبتي المغموسة في قدر العشق، أنت في القلب!.. كنت وتبقين حتى نهاية الزمان..
أشم ريح بردى، ريح البحر.. تراب قاسيون، قشرة برتقالية.. حور الغوطة، شجيرات المنشية..
أحن إلى أصغر عصفور يبيت في قلب سروة.. أو يستظل بخيال ورقة تين..
تحملني أجنحة طيور.. تفتح أمام ناظري صوراً واضحة جلية..
الساعة الواحدة، ظهر يوم السبت 8 تموز 1972 خبر مقتضب بثته إذاعة لندن.. (انفجار سيارة يودي بحياة الأديب غسان كنفاني وسط ظروف غامضة..).
بعد دقائق كنت في سيارة أجرة، منطلقة تطوي تحت عجلاتها الطريق الى بيروت.
أتوسل لأول مرة في حياتي أن تقابلني هناك كذبة!.. أجمل كذبة يمكن أن يستقبلها إنسان، تقول: إن الخبر برمته ليس له أساس من الصحة..
ولأول مرة في حياتي أيضا أجتاز حدودا بين دولتين بلا جواز سفر، ولا تأشيرة، ولا تصريح.
فتحوا أمامي البوابات، وحملوني بنظراتهم الطيبة الحزينة، وتصرفاتهم الجادة الصغيرة المخلصة والمرتبكة، أنبل المشاعر طافحة بالأسف والعزاء...
  
أهمس ويهمس إليّ الحرف.. حتى الحرف يطن في أذني، ساحة مقروءة حية.. ألمس تفاصيلها وأجزاءها الصغيرة الصغيرة.. لم تعد هشة تجلدني بطيوف الأشياء المنسية.
شاب أشقر، ضئيل، عرفت في عينيه السخرية، والهدوء، والقسوة.. يحمله نعل خفيف عبر حارات دمشق القديمة، بستان الحجر، وباب السريجة، يشتري رغيفا بخمسة قروش من فرن المصري يحشوه عزّو حديد بالفلافل والتوابل والمخللات، ويقسمه بيننا بالتساوي.
وجبة سمينة ليوم كامل..
ننطلق عبر السوق المستقيم الطويل الملون برتلين من الدكاكين، الى باب الجابية فشارع البدوي فالشاغور ومنه الى شارع الأمين.. نقف بوجل أمام البناء الأبيض العريض المسور ببوابات حديدية كثيرة وكبيرة..
الأليانس؟.. كنت تلميذا في الصف السادس يوم دخله غسان في الحصة الثالثة لأول مرة، وبعد أن قدمه المدير للطلاب، خرج وتركه <<كما تصورت>> غارقا في حيرة..
فقد لاحظ بلا شك أن قامات مجموع التلاميذ بوقوفهم للتحية أطول من قامته، وأن معظمهم أيضا بمثل سنه أو ما يقارب، وقد لاحظ أيضا كما لاحظت أن بعض التلاميذ أخذوا يغمزون من تلك الزاوية.. تماسك.. وراح يشد على أسنانه بقوة، وعلى قبضة يده.. أمسك قطعة طبشور وأدار ظهره للتلاميذ.. كتب على اللوح بخط كبير وجميل (درس الرسم) وانفتل فجأة على حركة غير عادية أعطته الفرصة للدخول الى الأمر المهم الذي تصورت أنه يناضل للوصول إليه.
شد ظهر الكرسي بقبضة يده الواحدة، وألقى بقطعة الطبشور بعيدا.. وقال:
أعرف أنكم لم تتوقعوا أن يحدث ويصبح مثلي أستاذا عليكم.. هذا أمر لن أتحدث بتفاصيله الآن على الأقل، المهم أنني هنا معكم وبينكم في صف واحد.. قد نكون متقاربين في السن والقامة، والفرق المهم هنا <<وأشار الى رأسه>> كما أنني أملك السلطة، وأستطيع أن أمارسها ببساطة وكما يتطلب الأمر على شكليها.. وأنتم تقررون ذلك.
نظر طويلاً في وجوه الجميع، وكنت طيلة الوقت أجاهد كي لا تلتقي نظراتنا، أتلهى بالنظر في وجوه رفقائي.. لكن أحدا منهم لم يعلق بكلمة أو بحركة.
عاد ثانية الى اللوح، كتب من جديد.. معرض فلسطين للرسم والأشغال.
بعد شهر كامل من العمل المتواصل افتتحنا في الصالة الرئيسية للمدرسة أول معرض من نوعه اشتمل على مجموعة من الرسوم وبعض المنحوتات البسيطة، والكثير من النماذج الفلسطينية التي طلب غسان من الطلاب جلبها من بيوتهم. ملابس أو أوان أو صور.. إلخ، تنتمي الى الفولكلور والتراث الفلسطيني، وكان يكتب بخطه الجميل تعليقات مميزة على كل قطعة.
مثل المعرض بصورته وإنجازاته المتواضعة مثلاً غير مسبوق لأول معرض حقيقي يحمل الطابع الفلسطيني دون سواه، علامة جلية واضحة تحرض ولا تمسح من الذاكرة صورة مستمرة للوطن.
كان غسان يعمل لساعات طويلة يوميا وحتى ساعة متأخرة من الليل، يرسم ويلون ويكتب ويخطط ويصحح رسوم الطلاب ويخلق مع الجميع ساحة حميمة من الألفة والمحبة جعلته خلال وقت قصير الشخصية المحببة والصديق المفضل، والمميز أيضاً لدى الجميع.
  
تقابلني نظرات السائق الخاطفة، يطفو صوته الدقيق فوق صوت اللحن الرديء الذي يطلقه المذياع..
أقل من ساعة ونصل..
تأخذنا المنعطفات الضيقة المتلاحقة، تنساب الطريق الى بيروت على حافة حادة بين جبل درزته الخضرة حتى القمة، وواد سحيق مفروشة عتباته بألوان زاهية.. خضراء وبنية.. صفراء وحمراء.. تتخللها قطعان تتحرك بكسل.. وبيوت متناثرة بينها، تلفظ سحابات دخان باهتة تحمل روائح فياضة.
  
مع بداية العام الدراسي التالي انتقل غسان للتدريس في إعدادية صفد، في باب الجابية.. وكان عليه أن يتعامل مع مجموعة أخرى من الطلاب أكبر سنا.. ومع مجموعة مميزة مخلصة متفانية من الأساتذة الذين كتبت عليهم أقدارهم أن يكونوا المؤسسين الأوائل لحالة استمرار التاريخ والحقيقة الفلسطينية المتواصلة للفلسطينيين في فكر الجيل الذي تنبأت له أدمغة الأعداء أن يكون الجيل المهيأ للنسيان.
ولا شك أن غسان أدرك منذ البداية هذه الحقيقة وأدرك الضرورة القصوى لإبقاء حالة من الغليان لا بد من أن تخلق في ظرف زمان ومكان، متغيرات على شكل ما.
دخل بثقة هذه المرة قاعة الصف السابع، توجه الى اللوح وكتب بخط واضح ارسم منظرا مرعبا.. اجتاحت الطلاب مشاعر متفاوتة.. أحدهم رسم بحرا متلاطم الأمواج، وآخر رسم دبابة أو طائرة وثالث رسم وجه وحش بأنياب طويلة حادة.. وهكذا توالت الرسوم على الطاولة أمام غسان الذي كان يتابع كل رسم بانتباه، ثم يشطب عليه، ويضيف على ذيله عبارة مقتضبة.. <<مخيف.. وليس مرعباً>>.
وحين انتهى الجميع من تقديم أعمالهم، توجه غسان الى اللوح.. رسم دفترا مفتوحا، لونه بالأحمر، وكتب تحته بخط عريض.. دفتر الإعاشة!..
في اللحظة نفسها دخل مدرّس اللغة العربية الأستاذ محمود فلاحة قاعة الصف ليراقب عن كثب ولكثرة ما سمع ذلك الشاب الضئيل الهادئ، النموذج الديناميكي للفلسطيني الحديث الذي استطاع بزمن قياسي ومن خلال تدريس الفنون <<الرسم والأشغال>> المادة الهامشية البعيدة عن اهتمام الفقراء اللاجئين الدائرين حول محيط حلقة فيها ألف هم وألف مشكلة وألف سؤال.. وكيف استطاع أن ينحي شعور الاستسلام السائد، وأن يخلق صورة مختلفة عن الفلسطيني المهزوم والمقهور تنقله وتضعه في مقدمة استحقاقات أخرى أهمها القدرة على الفداء وتجاوز الحالة ورسم صورة جديدة للفلسطيني الفدائي، لم تكن واضحة المعالم بعد..
وقد أسس الحدث الذي شاهده وأدرك أبعاده الأستاذ فلاحة الى نشوء صداقة متينة بينهما أدت في حينه الى إقامة تعارف بين غسان والدكتور جورج حبش ليسيرا معا انطلاقا من حركة القوميين العرب وما بعدها..
  
تزداد حركة السيارات كلما اقتربنا من بيروت...
فجأة يصافحنا البحر.. لأول مرة يسكت المذياع..
التفت السائق، قال بصوت خفيض وهو ينعطف الى اليمين:
<<الحازمية>>.
ترتجف أطرافي المتحفزة، أتلهف أتوسل لاستقبال مفاجأة الكذبة..
تتوقف السيارة..
يمسك السائق يدي.. يفرد أمام خطواتي المضطربة حزنه المسفوح على حصيرة من شفقة.. يقودني عبر الحطام والدمار. يصل بي الى حافة واد عميق الغور، فيه رجال يلتقطون عن الأغصان قطع لحم صغيرة، يجمعونها في كيس أبيض.
في الزاوية الأخرى رأيت وجه غسان ونصف صدره.. ورأيت شيئا متفحما يشبه الصبية الجميلة <<لميس>>.. وكأنه تحسس بأصابعه النحيلة أثر الجرح الطافي على صفحة خدي الأيمن.
كان يبتسم، صافحني وهو يبتسم.
فبكيت..
  
في 31/5/1959 اكتشفنا بحزن واكتشف بسخرية مرضه بالسكري..
وهكذا سقطت أمامه الشوارع.. وراحت تزحف مستقيمة الى نهاياتها المجهولة..
لم يعد يذكر الصحراء.. غزاها وانتهى.. كان عليه أن يبدأ سباقا آخر.. لم يجد في العالم الذي مخر عبابه على مدى ست وثلاثين سنة متسعا لرعشات ريشته..
كان الورق أضيق من غزارة قلمه.. والعمر قصيرا.. والسياط تملأ الأمكنة كلها..
لم يدرك أبدا أن الموت وهو يسخر من حقن الأنسولين اليومية، ومن الحمية المنهكة، ومن الخوف المعشش في اللحظات سيأتيه من ها هنا، ليكمل بفعله المأساوي حلقة أخرى متصلة مع حلقات ما زالت تسطر سفر ملحمة، تكرسه أثرا ومعلما.
.رحم الله غسان كنفاني الشهيد الشاهد

عدنان كنفاني